ناجي الكرشابي يكتب… *عبدالله الأزرق.. رَجُلٌ مِنْ “طِينَةِ” الْكِبَارِ..!* ( كتب قبل رحيله بأيام)
ناجي الكرشابي يكتب…
*عبدالله الأزرق.. رَجُلٌ مِنْ “طِينَةِ” الْكِبَارِ..!*
( كتب قبل رحيله بأيام)
في زمنٍ عزّ فيه صدق القول، وندر فيه صفاء القلم، يقف السفير عبدالله الأزرق شامخاً كواحد من أبناء السودان الذين جمعوا بين عذوبة الأدب، ورصانة الفكر، وصرامة الموقف. رجل من طينة الكبار، لا يكتب لينال التصفيق، ولا يتحدث ليغازل السلطان، بل يقول ما يراه حقاً، حتى ولو كان ذلك في حضرة “الفراش الأبيض” فالرجل بلا أدنى شك رمز الصراحة المجردة والصدق الذي لا يُهادن.
الأزرق لم يكن مجرّد دبلوماسي مرّ عبر دهاليز الخارجية السودانية، بل صوتاً حراً داخل المؤسسة الرسمية ، ومثقفاً يعرف حدود الدولة لكنه لا يعترف بحدود الوهم. كتب للناس، لا للمجالس المغلقة. وانحاز إلى الوطن، لا إلى العروش الزائلة.
برغم المناصب والمهام الدبلوماسية التي تقلدها، ظل الأزرق قريباً من نبض الشعب، حاضراً في السجال العام، بمقالات لا تخلو من عمقٍ معرفي، وأناقة لغوية، و”لسعة” تحليلية لا تجامل. تارةً يحدثك عن مأزق الخطاب السياسي، وأخرى يكتب في الشأن الدولي برؤية مفكر لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يحللها ويضعها في سياقاتها الجيوسياسية والتاريخية.
من يقرأ للأزرق، يجد نفسه أمام كاتبٍ مترفّع عن المواربة والتزلف، لكنه لا يسقط في فخ العدوانية. فهو ابن بيئة سودانية تعرف التهذيب ، وتوازن بين الحكمة والاحتجاج. ولعلّ هذا ما منحه احترام جمهور واسع من القرّاء، الذين يرون فيه مرآةً لما يجب أن يكون عليه المثقف السوداني: حراً، جريئاً، صادقاً، ومشبعاً بروح وطنية لا تتورم بالشعارات، بل تتجلى في احلك المواقف والظروف.
من الجوانب التي لا يمكن تجاوزها حينما نتحدث عن السفير عبدالله الأزرق، قدرته الفريدة على الصبر ومجابهة المرض برباطة جأش وأدب عالٍ. ظل يُلازم الألم بصمت النبلاء، يكتب ويُحاور ويستقبل زواره ببشاشة، كأن جسده لم يمسه تعب. كان مرضه امتحاناً لصبره، وقد اجتازه كما يجتازه الكبار: بأخلاق الفرسان وهدوء الحكماء.
أذكر جيداً أول مرة التقيته، وكان ذلك في عشاء دعا إليه كوكبة من الأكاديميين والصحفيين في إسطنبول. ذهبت حينها برفقة الصديق الأستاذ حسن إسماعيل. ومنذ تلك الأمسية، لفتني تواضعه الجم، ودفء حضوره، وقدرته على الإصغاء قبل الحديث. كان مجلسه أقرب إلى ندوة فكرية راقية، ومائدته منفتحة كما روحه.
ولقد دَرَج السفير عبدالله الأزرق خلال سنوات وجوده في إسطنبول على دعوة الشخصيات السودانية التي تزور المدينة من كل أطياف المجتمع، بلا استثناء ولا تحفّظ. جمع بين من فرّقتهم السياسة، ووحّد بين من نأت بهم المسافات، فأصبح بيته ملتقى حقيقياً لروح السودان المتعددة والمتصالحة. كان يرى في كل سوداني قيمة، وفي كل خلاف فرصة للحوار.
وفي زمن السكون القاتل هذا، يمثل عبدالله الأزرق صوتاً لا يُشترى، وفكرةً لا تُكسر، وأدباً لا يُبتذل. ليس مجرد فرد، بل ظاهرة سودانية نادرة، تستحق التقدير والاحترام، لا سيما في لحظة وطنية يبحث فيها السودانيون عن رموز حقيقية، لا عن واجهات كرتونية.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يمُنّ عليه بالشفاء العاجل، والعافية التامة، والعمر المديد، حتى يواصل عطاءه في ساحة الفكر والكلمة، ويظل منارة تضيء الدروب المعتمة، وأباً روحياً لجيل لا يزال يبحث عن “وجيع”.