منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الجيلي محجوب يكتب :  *التجديد في قلب العاصفة : بين صلابة الجيش وإشفاق على المخابرات*

0

الجيلي محجوب يكتب :

 

*التجديد في قلب العاصفة : بين صلابة الجيش وإشفاق على المخابرات*

الجيلي محجوب

لم يكن الإعلان عن كشوفات الإحالة والترقيات داخل القوات المسلحة حدثاً عادياً بل تحوّل سريعاً إلى محور نقاش عام واسع استحوذ على اهتمام الرأي العام بدرجة تفوق كثيراً ما حظيت به قضايا سياسية أو عسكرية أخرى .. والسبب أن هذه القرارات لم تقتصر على تغيير روتيني في هياكل القيادة وإنما طالت شخصيات ارتبطت أسماؤها مباشرة بمحطات حاسمة من الحرب وقادة صاغوا في الميدان قصصاً من الثبات والشجاعة جعلت حضورهم في الذاكرة الشعبية أكبر من مجرد رتب عسكرية .

ورغم أن عدد المشمولين بالإحالة بلغ العشرات في الرتب الكبيرة بين لواءات وعمداء إلا أن الجدل العام تركز حول بعض الأسماء التي عُرفت بصلابتها في الدفاع عن المواقع الاستراتيجية وإدارة المعارك الفاصلة .
غير أن جوهر المسألة لا يقف عند حدود الأسماء فالمؤسسة العسكرية بطبيعتها مؤسسة متجددة تقوم على مبدأ التناوب وتواصل الأجيال وتملك من القدرة ما يجعلها قادرة على الدفع بقيادات جديدة تتولى المسؤولية .. صحيح أن التوقيت الحرج جعل وقع القرار ثقيلاً على الناس لكن التاريخ العسكري سواء في بلادنا أو خارجها يثبت أن قوة الجيش تُستمد من صلابته كمؤسسة لا من بقاء أفراد بعينهم .

على أن ما يجعل الأمر أكثر حساسية هو أن الأجواء العامة باتت تميل إلى التعامل مع تفاصيل العمل العسكري وكأنها شأن عام مفتوح للنقاش حول الخطط و تداول الأسماء و إطلاق الأحكام .. وهو ما يعكس حجم الارتباط الوجداني بين المجتمع والجيش في لحظة وطنية فارقة .

وفي الوقت نفسه تلوح في الأفق توقعات بصدور كشوفات مشابهة من جهاز المخابرات العامة .. وهنا يبدو التحدي أعقد فهذه المؤسسة بطبيعتها تعتمد على التراكم العميق للخبرات و على بناء طويل الأمد للكفاءات التي تمرست عبر تجارب بالغة الحساسية .

ومن الخطأ الظن أن مجرد تصعيد رتبة جديدة إلى موقع القيادة يعوض رحيل شخصية صقلتها عقود من العمل السري والميداني .. فالمخابرات بحكم تكوينها تحتاج إلى توازن دقيق بين تجديد الدماء وحفظ الإرث التراكمي من الخبرة والمعرفة .

لقد تعرض الجهاز لمحاولات متكررة لتقويضه أو إضعافه في أعقاب التحولات السياسية التي اعقبت انقلاب اللجنة الامنية لكنه ظل متماسكاً بفضل إرثه المؤسسي وصلابة منتسبيه . ومن ثم فإن أي تغيير داخله ينبغي أن يُدار بروية بحيث يظل روتينياً أقرب إلى التطوير الطبيعي منه إلى التجريف الشامل حتى يتمكن من مواصلة إعادة بناء نفسه ويظل واقفاً على قدميه كركيزة أساسية لحماية الأمن الوطني.

إن القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة معاً يمثلان عصب الدولة ودرعها الواقي .. كلاهما يملك تاريخاً طويلاً من العطاء والتضحيات وكلاهما مطالب اليوم بأن يوازن بين الوفاء لرموزه الذين صنعوا النصر وبين ضرورة إفساح المجال لأجيال جديدة تحمل الراية .
وما بين الإحالة والاستمرار وبين التغيير والثبات تبقى الحقيقة الأهم أن الوطن لا يحيا إلا بمؤسساته الحية القادرة على أن تتجدد دون أن تفقد جوهرها وأن تحافظ على قيمها مهما تبدلت الظروف .
———————-
*الجيلي محجوب*

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.