السفير د. ابراهيم البشير الكباشي يكتب : *الارتزاق المعاصر … سرطان متوحش يهدد وجود الدولة القطرية 2-2*
السفير د. ابراهيم البشير الكباشي يكتب :
*الارتزاق المعاصر … سرطان متوحش يهدد وجود الدولة القطرية 2-2*

يقول أستاذ الاستراتيجية ( الأمريكي ) ماكفيت في دراسته المذكورة، ان انتعاش الأرتزاق المعاصر يعود إلى حروب أمريكا خلال الثلاثين سنة الأخيرة، خاصة في العراق و افغانستان و سوريا و ربما غيرها. فأمريكا، درءا لما تحدثه حروبها بالأصالة من خسائر كبرى في ارواح جنودها على نحو يماثل ما تكبدته في فيتنام : ( أكثر من 50 الف قتيل و أضعافهم من ذوي الاعاقات المتنوعة ) ، باتت تجنح لأستئجار المرتزقة بمبالغ دولارية مليارية ، كحالة تعاقدها مع بلاكووتر في حرب العراق ، و تعاقدها مع العديد من شركات المرتزقة نظائر بلاكووتر في غزوها لأفغانستان.
العلاقة بين المرتزق المتعاقد للقتال و مخدمه – كما يقول ماكفيت – كالعلاقة بين منديل ورق و مستخدمه. او كالعلاقة بين طباخ و قطعة ليمون بعد إنقطاع آخر قطرة من مائها . لا تكلفهم لوازم مالية عند قتل المرتزق او اعاقته بمثل ما تتلزم به الدولة ذات الجيش النظامي . و بكلمات البروفيسور ماكفيت :
“Ultimately , contractors are disposable
.people ” !!!
” المتعاقدون [ من المرتزقة في خلاصة الامر ] نفايات بشرية ” !!!
انطلاقا من هذا الفهم لعلاقات المرتزق بمخدمه ، انفرطت الاغراءات لأقتحام أسواق حروب الارتزاق عظيمة الأرباح.
تعاقدات أمريكا مع شركات المرتزقة أضفى على ملاكها غطاءا حمائيا سياسيا عزز شهوتها لمواصلة أعمالها، و حفزت من كان حذرا من الغرق في هذه الحمأة الوبيئة، ليبقى متيقنا من افلاته عن تبعات ما يفعل ، متكئا على اعتقاد يقول : انه يقتدي في ما يفعل بممارسة حليف قوي بحجم أمريكا . و لهذا ، عندما قضت أمريكا وطرها من حروبها في العراق و أفغانستان ، و انتهى تعاقدها مع شركات المرتزقة في تلك الحروب ، ذهبت جيوش الارتزاق تبحث عن أسواق حروب اخرى مدفوعة بأمل الحصول على عوائد ربحية تماثل تلك التي حققتها من تعاقدها مع الحكومة الأمريكية.
يقول في هذا الصدد الدكتور ماكفيت ما نصه مترجما :
” ان الولايات المتحدة قد شرعنت ، كأمر واقع de- facto، اعمال المرتزقة من خلال استخدامها الكثيف لهم . فهل تستطيع الولايات المتحدة ان تقول لروسيا لا تستخدمي قوات عسكرية في سوريا؟ لا تستطيع ! ولهذا السبب يظهر زبائن جدد لخدمات المرتزقة “.
تنتظم أغلب جيوش المرتزقة في شركات خاصة ، و قد تحولت بالفعل عن ما كان يراه الناس حتى وقت قريب لغزا غامضا يصعب تخيله ، الى واقع تجاري – حربي عابر للقارات ، بضاعته صناعة الموت في بورصات الحروب لصالح من يملك المقابل المالي . انها ظاهرة تنذر بمهددات بالغة الخطر على النظام الدولي الراهن بمجمله.
هناك نسخ متجددة من أعمال الارتزاق صنعتها قفزات التقنية المعاصرة ، و هي الارتزاق الرقمي – السيبراني الذي مسرحه الكرة الأرضية بأكملها.
ومن ذلك أيضا ظهور شركات استخبارية خاصة يتملكها رجال مخابرات سابقين Ex – Spooks ، يتحدرون غالبا من ذات الدول المصدرة للأرتزاق ، تقدم خدمات استخبارية لمن يدفع مقابلها ، وخطورة هذه أنها مستترة تحيطها عوالم من ظلام غاسق .
يلزم هنا المباينة الموضوعية بين أنشطة شركات الأرتزاق الأستخباراتية الخاصة، و بين انشطة الفحص الاستشاري النافي للجهالة في الصفقات التجارية ، و الذي عادة ما تسعى اليه الشركات الاستثمارية الكبرى قبل انخراطها في تنفيذ مشاريع برأس مال ضخم . هذه الأخيرة ممارسة مشروعة يطلق عليها اصطلاح Due – Diligence.
مما استقر في علم الكافة، أن عوالم الأرتزاق موغلة في صنوف شتى من أعمال وحشية متعددة الجوانب ، تجمعها شبكات أجرام منظم ، ذات أنشطة متلازمة في سلاسل أعمالها ، يمليها الاعتماد المتبادل الرابط بين تلك الأنشطة الأجرامية المتكاملة في طبيعتها و أهدافها و وسائلها ، كشبكات تجارة المخدرات ، و تجارة الأعضاء البشرية المنتزعة قسرا من سكان المجمعات السكانية المنكوبة، و الأسترقاق النسوي ، و غسيل الأموال.. الخ.
تدير شركات المرتزقة عالمها السري ، مع وظائفه المتكاملة بأحتراف و مهنية . فكما قدمنا ، فأن غالب هذه الشركات يتملكها متقاعدون من مؤسسات الخدمة العسكرية المتخصصة في أوطانهم التي يحملون جنسيتها ، و قد حفلت سجلات خدمتهم بسنوات من الخبرة تلقوها في مؤسسات بلادهم العسكرية أو المخابراتية أو الشرطية.
العلوم العسكرية تجمل الحروب المعاصرة في مسارح خمسة هي: الأرض و الجو و البحر و الفضاء و المدى السيبراني. خلال عقدين فقط وجدت جيوش القطاع الخاص ” المرتزقة ” طريقها لجميع هذه المسارح ما عدا الفضاء الخارجي (حرب النجوم كما كان ينعتها الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان ).
… و هكذا بات الارتزاق المعاصر ظاهرة تجارية في بورصات تباع فيها الحروب لمن يتقمصه تضخم الذات مع طموحات سياسية استعمارية مفرطة ، تعززها قدرات مالية ضخمة . و أكثر ما يفسر هذه الظاهرة الخطرة هو تيقن مالك الجيش الخاص و مستخدمه من وجود من يحمي ظهره ، بأسناد سياسي ظاهر و مستتر، من حلفاء متنفذين في هياكل النظام الدولي القارية و الأممية، و من ساسة مرتشين من داخل الدولة المستهدفة بالغزو الأرتزاقي.
اذا استقرت حروب الأرزاق كوقائع راتبة في العلاقات الدولية المعاصرة ، وتطبعت ممارستها بنحو معتاد ، فان لوازم هذا التطبيع لا يعني غير ارتداد العالم الى صراعات القرون الوسطى . فتتلاشى مبادئ وست فاليا التي نشأت على مقرراتها الدولة الوطنية – القطرية المعاصرة . و يتاكل في طوايا ذلك القانون الدولي العام، بما في ذلك المواثيق و المعاهدات المنظمة للعلاقات بين الأمم ، و يموت فعليا مبدأ سيادة الدولة على أرضيها و تملكها حصريا لجيوشها النظامية.
ظن كثيرون أن البشرية قد تعافت مما بلغها علمه من فظائع الحروب القديمة . كما ظن آخرون ان قرون الاستعمار الكلاسيكي بالاحتلال المباشر قد ولت من غير رجعة . و ظنت طائفة من المثاليين أن القانون الدولي العام بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة ، و اتفاقيات جنيف الأربعة ، و الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة و استخدامهم و تمويلهم و تدريبهم في العام 1989 ، و اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية ( التي ورثها الأتحاد الأفريقي ) للقضاء على الارتزاق ، و اتفاقيات فينا المنظمة للعلاقات الدبلوماسية ، و اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بتصفية الاستعمار… ظنوا ان هذا الزخم الكثيف من المواثيق و المنظمات و المؤسسات، يضمن تلقائيا للشعوب الحرية و الأنعتاق من فظائع الاحتلال الأجنبي، سواء أكان احتلالا على نمط الاستعمار الكلاسيكي، أو كان احتلالا بالوكالة و الرشوة و حشد المرتزقة كما في نسخته التي يشهدها السودان اليوم.
غير أن حربنا الراهنة كشفت كذلك – بأبلغ دليل – على أن صون استقلال الشعوب غاية لا تدركها الا الشعوب نفسها. عبر اصطفافها الصلب لجميع قواها ، وتماسك مؤسساتها التي على رأسها المؤسسة العسكرية.
من مجموع دول العالم البالغة 193 دولة ينفرد السودان اليوم بعدوان مركب ، أبرز ادواته أرتزاق متعدد الجنسيات ، تساندة دولة الأمارات العربيةالمتحدة بالتمويل و التسليح و حشد المرتزقة و الدعم السياسي.
لم تحفظ ذاكرة البشرية ما يفوق سيل دماء السودانيين في كل ارض حل فيها الدعم السريع و مرتزقته . و كان مسيل دماء السودانيين أهل الفاشر التي التقطتها الأقمار الصناعية بأستشعار فضائي بعيد ، وصمة صادمة لكل ضمير انساني ، فكيف ان كان الالتقاط قريبا من المسافة صفر ؟!
أن انباء الأبادة التى صنعتها التدخلات الأجنبية في السودان مرحلة بعد مرحلة منذ نهايات العام 2018 ، وصلت اليوم لأطراف الأرض الاربعة . فما من أمة على وجه هذا الكوكب الا قد بلغتها نواتج العدوان الارتزاقي الاستعماري الاستئصالي – الأحلالي .
لقد هيأ الزخم العالمي لأهل السودان حكومة وشعبا سوانح نادرة لبلوغ اصطفاف عالمي منظم عنوانه :
” التضامن الأنساني العالمي ضد صناعة الأرتزاق وتجارة الحروب”
و حتى يبلغ هذا التضامن الانساني العالمي مداه، يلزمه – على الأقل – أمرين :
أحدهما : تواصل الحراك السياسي السلمي لأبناء و بنات السودان في جميع القارات، ودعوة الشعوب الحرة المضيفة للجاليات في كل دولة للأنضمام اليه.
و ثانيهما: تتابع العمل الدبلوماسي السوداني و تكامله مع حراك الجاليات ، و الدعوة لمؤتمر دولي في الخرطوم ليشهد قادة العالم و شعوبه – من قرب – ما صنع التمرد المسنود بارتال المرتزقة بشعب امن و مسالم يمتد ارثه الحضاري الأنساني الى فجر التاريخ .. الى مملكة كوش بن حام بن نوح .. و لاقرار بند واحد في جدول أعماله ، هو ؛ إدانة الارتزاق و صنائعه و صانعيه و مموليه و حماته ، و توثيق جرائمه ضد عموم الانسانية و نشرها في كل محفل ، بجميع لغات العالم وبكافة وسائل الاتصال الرقمي.
هذه سوانح اتاحتها الارتدادات البشرية الفطرية العفوية من فظائع العدوان الارتزاقي – الجنجويدي.. ولست في حاجة لتذكير قيادة البلاد العليا بما في ذلك ، الجهاز الدبلوماسي السوداني ، من ضرورة اقتناء سوانح المواءمة الظرفية العالمية المتاحة اليوم . فالتوقيت في السياسة كالتوقيت في الموسيقى، ان فات أوانه أصبح نغمة نشازا لا توحي لأحد بأنتباه…..
د. إبراهيم البشير الكباشي
1 ديسمبر 2025م
مقتطف باختصار من الفصلين التاسع و الثاني عشر من كتاب المؤلف :
المنطلق
من أجل تأسيس نظام سياسي وطني وطني آمن و راشد و مستقر .
( المصورات ، 2025 )
