البُعد الآخر د. مصعب بريــر *فاتورة الموت في بورتسودان: المواليد في المقدمة والنظام الصحي خارج التغطية ..!*
البُعد الآخر
د. مصعب بريــر
*فاتورة الموت في بورتسودان: المواليد في المقدمة والنظام الصحي خارج التغطية ..!*

تعد وثيقة إحصائيات مقابر السكة حديد ببورتسودان لعام 2025 مرآة كاشفة لواقع صحي واجتماعي مأزوم، حيث تعكس الأرقام الواردة فيها اختلالات بنيوية تتجاوز مجرد الرصد الإحصائي لعمليات الدفن. إن تسجيل 4315 حالة وفاة في مقبرة واحدة بمدينة بورتسودان، يضعنا أمام تساؤلات حتمية حول جودة الحياة والنظام الصحي في العاصمة البديلة. وبالنظر إلى تفاصيل البيانات، نجد أن الوفيات الطبيعية شكلت الأغلبية العظمى بنحو 3849 حالة، إلا أن الأرقام المسكوت عنها في طيات هذا التصنيف “الطبيعي” هي التي تحمل في طياتها مؤشرات الانهيار، فغياب التشريح الدقيق أو التصنيف الطبي المفصل للأمراض المزمنة والأوبئة يجعل من مصطلح “وفاة طبيعية” غطاءً لمشاكل صحية كان يمكن تداركها لو توفرت الرعاية الوقائية اللازمة.
تبرز الفاجعة الكبرى عند تحليل وفيات الأطفال حديثي الولادة، والذين بلغ عددهم 1113 طفلاً، وهو ما يمثل حوالي 25.8% من إجمالي المتوفين. هذه النسبة صادمة بكل المقاييس الإنسانية والطبية، فبينما تسعى دول العالم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بخفض وفيات حديثي الولادة إلى أقل من 12 حالة لكل 1000 مولود حي، نجد أن ربع الوفيات في بورتسودان تتركز في هذه الفئة العمرية الهشة. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو إدانة صريحة للنظام الصحي ومراكز رعاية الأمومة والطفولة، إذ يعكس نقصاً حاداً في الحاضنات، وضعفاً في برامج التحصين، وغياباً للمتابعة الدورية للحوامل، مما يحول الولادة من عملية بيولوجية طبيعية إلى مخاطرة قد تنتهي بفقدان الجنين أو الرضيع.
وفي سياق متصل، تكشف الإحصائية عن وفيات ناتجة عن حوادث المرور (137 حالة) والقتل العمد (73 حالة)، فضلاً عن الغرق وصعق الكهرباء وضربات الشمس. هذه الأرقام، عند مقارنتها بالمعدلات العالمية للأمان المدني، تشير إلى خلل في منظومة السلامة العامة وضعف الاستجابة الإسعافية السريعة. إن وصول المصابين إلى المقابر بدلاً من غرف الطوارئ يلقي بظلال من الشك على كفاءة “الساعة الذهبية” للإنقاذ في مستشفيات الولاية، كما أن تسجيل 5 وفيات فقط في خانة “وفاة في الولادة” قد يكون رقماً مضللاً إذا لم يتم ربطه بإجمالي وفيات النساء البالغ 1844، مما يرجح وجود فجوة في التوثيق الطبي لسبب الوفاة الحقيقي للأمهات داخل البيوت أو في القرى المحيطة.
تتحمل السلطات الصحية الاتحادية و في ولاية البحر الأحمر المسؤولية المباشرة عن هذه الأرقام، حيث يظهر التقرير إخفاقاً في التغطية الصحية الشاملة وتحول المستشفيات إلى مجرد محطات انتظار للوفاة بدلاً من أن تكون مراكز للعلاج. إن التكدس السكاني الذي شهدته بورتسودان كمركز إيواء ونزوح وضع ضغطاً هائلاً على البنية التحتية المتهالكة أصلاً، ومع ذلك، لم ترتقِ الاستجابة الصحية لمستوى الأزمة. الإخفاق لا يكمن فقط في نقص الأدوية والمعدات، بل في غياب نظام “الترصد الوبائي” و”السجل المدني الصحي” الذي يربط أسباب الوفاة بخطط التدخل العاجل، مما جعل الموت يتربص بالمواطنين من أسباب بسيطة مثل لدغات العقارب (6 حالات) أو حوادث حريق كان يمكن احتواؤها.
يتطلب المستقبل القريب تبني استراتيجية صحية تقوم على “صفرية الوفيات التي يمكن منعها”، وذلك عبر تفعيل الرعاية الصحية الأولية في الأحياء الطرفية، وتوفير وحدات عناية مكثفة لحديثي الولادة بأسعار مدعومة أو مجانية، مع ضرورة تفعيل قانون إلزامية التبليغ عن أسباب الوفاة بدقة طبية. إن تحويل هذه البيانات من مجرد أوراق في لجان المقابر إلى قاعدة بيانات لصناع القرار هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح.
بعد اخير :
خلاصة القول، إن صرخة الأرقام القادمة من مقابر السكة حديد يجب أن تهز ضمير النظام الصحي؛ فالموت الذي يختطف ربع مواليدنا ليس قدراً محتماً بقدر ما هو نتيجة لغياب السياسات الرشيدة،
وأخيرًا، تحسين هذا الواقع البائس يبدأ من الاعتراف بالهزيمة أمام هذه الأرقام والعمل فوراً على ترميم الإنسان قبل ترميم الجدران، لتبقى بورتسودان مدينة للحياة لا مستقراً للمنايا.
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
حسبنا الله ونِعم الوكيل
اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 6 يناير 2026م
musapbrear@gmail.com
