البُعد الآخر د. مصعب بريــر *التضليل أولاً… كيف تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة قتال موازية ..؟!*
البُعد الآخر
د. مصعب بريــر
*التضليل أولاً… كيف تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة قتال موازية ..؟!*

في خضمّ الأحداث المأساوية التي شهدتها مدينة الفاشر خلال أكتوبر 2025، لم تكن المعاناة محصورة في الميدان وحده. فقد ترافقت مع موجة واسعة من المحتوى الرقمي الموجّه، الذي سعى — بصورة مكثفة ومنظمة — إلى إعادة تشكيل الرواية العامة عمّا يحدث، وتشويه إدراك الجمهور لطبيعة الصراع ومسؤوليات أطرافه. هذا التحليل يتناول ملامح تلك الحملة الرقمية، والتى تم ادارتها بلا إنسانية وخبث، مع الاستناد إلى ما توفر من رصد وتحليل، وطرح الأسئلة التي ينبغي أن تُناقش بجدية.
تشير قراءات تحليل البيانات على منصات التواصل — وعلى رأسها منصة (X) — إلى نشاط لافت لآلاف الحسابات التي ظهرت خلال فترة قصيرة وتعمل بنمط متشابه، بما يرجّح أن جزءاً منها حسابات آلية أو شبه آلية. وقد بدا أن هذه الشبكات تتّبع أساليب متكررة: تضخيم وسوم إنسانية ظاهرها التعاطف بينما تُستخدم لصرف الأنظار عن الوقائع المؤلمة، وإعادة صياغة الأدوار بين الضحية والجاني، وبثّ مواد مرئية معدّة مسبقاً تهدف إلى تحسين صورة الجناة المتوحشين، رغم تقارير حقوقية عديدة تتحدث عن حصار ونقص في الإمدادات الإنسانية بفعل فاعل مجرم.
تشابه الأدوات المستخدمة مع ما لوحظ في نزاعات أخرى يلفت الانتباه: صور ملفّقة أو مولّدة رقمياً، هويات رقمية متعددة تُضفي طابعاً محلياً على الرسائل، وتنسيق زمني يجعل الإشاعة تنتشر في دقائق وتُستقبل كحقيقة مكتملة. هذه المؤشرات لا تُعد دليلاً قانونياً بذاتها، لكنها تكشف بيئة رقمية هشّة، يسهل فيها استبدال الوقائع بالروايات الجاهزة، فى ظل دعاية مضادة مبزول لها دون سقف.
على الصعيد الداخلي، بدا أن قدرات المواجهة المؤسسية ما تزال محدودة. فالإجراءات الرسمية كثيراً ما تتحرك بوتيرة أبطأ من سرعة انتشار المحتوى، بينما تتطلب المعركة الرقمية اليوم استجابة فورية، مدعومة بأدوات تحليل وتحقق تعمل على مدار الساعة. المطلوب — كما يوصي مختصون — بناء منظومة وطنية متكاملة لتقصّي الحقائق، وتعزيز التعاون مع المنصات لحذف المحتوى المضلل وفق الأطر القانونية، إضافة إلى تدريب متطوعين وإعلاميين على التحقق الرقمي ومهارات التتبع المفتوح.
وبموازاة ذلك، من المهم ألا يتحول نقد الحملات الرقمية إلى اتهامات قاطعة بلا سند قضائي. فالمعركة الأخلاقية تُكسب بالشفافية، وبالاستناد إلى الأدلة، وبالإدراك أن حماية الحقيقة لا تتم عبر دعايةٍ مضادة مفبركة، بل عبر رواية دقيقة ومحكمة تحترم عقل الجمهور وحقوق الضحايا معاً.
خلاصة القول، الحقيقة لا تموت بالخوارزميات، قد تنجح الآلات والحسابات المجهولة في التشويش مؤقتاً، لكنها لا تستطيع محو آلام البشر ولا إلغاء مسؤولية التحقيق والمحاسبة. إن بناء وعي رقميّ ناقد، وتطوير أدوات رصد مهنية، يمثلان خطوة أساسية لحماية المجتمع من التضليل، وحفظ ذاكرة الفاشر والجنينة وبقية فظائع التمرد الآثم وداعميه من أن تُعاد صياغتها على شاشات لا تعرف معنى الدم والإنسان.
وأخيرًا، إذا انتصرت الحقيقة اليوم، فذلك لأن ضوءها ـ مهما تأخر ـ يبقى أصدق من أي خوارزمية.
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
حسبنا الله ونِعم الوكيل
اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 5 يناير 2026م
musapbrear@gmail.com
