البُعد الآخر د. مصعب بريــر *اغتيال السيادة: العملية الأمريكية في فنزويلا ونهاية النظام الدولي ..!*
البُعد الآخر
د. مصعب بريــر
*اغتيال السيادة: العملية الأمريكية في فنزويلا ونهاية النظام الدولي ..!*

في سابقة خطيرة تهدد البنى الأساسية للنظام الدولي القائم على سيادة الدول واحترام القانون، نفذت الولايات المتحدة الأمريكية عملية عسكرية داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس، انتهت باعتقال الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما قسراً خارج البلاد. هذه العملية، التي وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”الضربة الناجحة واسعة النطاق”، ليست مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل هي إعلان صريح عن عودة “قانون الغابة” كمنهج تتبناه القوى العظمى في تعاملها مع دول العالم الثالث.
تتذرع الإدارة الأمريكية بمبررات متعددة لتبرير هذا الاعتداء الصارخ، أبرزها خطاب “استعادة الديمقراطية” و”محاسبة النظام الفاسد”. ولكن أي ديمقراطية هذه التي تُفرض بالمروحيات وقوات العمليات الخاصة؟ وأي شرعية يمكن أن تنبع من عملية قرصنة سياسية تنتهك المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة؟ لقد حولت واشنطن نفسها من دولة تدعي حماية النظام الدولي إلى دولة خارقة له، حيث أصبحت القوة العسكرية المباشرة هي الوسيلة المفضلة لتسوية الخلافات السياسية.
إن العملية التي نفذتها قوات “دلتا” الخاصة، والتي شملت إنزالاً جوياً وانفجارات عنيفة في كاراكاس، لا تختلف في جوهرها عن عمليات الاغتيال والانقلابات التي مارستها القوى الاستعمارية في القرون الماضية. الفرق الوحيد هو درجة التطور التكنولوجي والوقاحة في الاعتراف العلني بالجريمة. فبدلاً من العمل عبر وكلاء محليين كما جرت العادة، اختارت واشنطن هذه المرة التنفيذ المباشر، في رسالة واضحة إلى كل من يعترض على هيمنتها: لا حصانة لأحد، ولا قداسة لحدود.
الأكثر خطورة في هذا السيناريو هو الصمت الدولي المخجل والانقسام في ردود الفعل، مما يشير إلى أزمة عميقة في النظام متعدد الأطراف. فإذا كان مجلس الأمن عاجزاً عن منع انتهاك كهذا، وإذا كانت السيادة الوطنية قابلة للاختراق بهذه السهولة بناءً على تقييم أحادي من قوة عظمى، فإننا إزاء نهاية النظام الدولي كما عرفناه منذ تأسيس الأمم المتحدة. هذا السكوت يشجع على تكرار مثل هذه العمليات، ليس فقط في فنزويلا، بل في أي دولة ترفض الانصياع للأجندات الغربية.
بعد اخير :
خلاصة القول، ما حدث في فنزويلا ليس مجرد اعتقال رئيس، بل هو اعتقال لفكرة السيادة الوطنية برمتها. إنه إعلان عن حقبة جديدة من الاستعمار المباشر، حيث تعود القوى الكبرى إلى ممارسات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، متنكرة لمبادئ المساواة بين الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. إن السكوت على هذه الجريمة يعني الموافقة الضمنية على تحويل العالم إلى غابة يحكمها قانون الأقوى، حيث تصبح حدود الدول الضعيفة مجرد خطوط وهمية على خريطة القوى العظمى.
وأخيرًا، التحذير واضح: إذا سقطت سيادة فنزويلا اليوم، فقد تسقط سيادة أي دولة غداً. وإن لم يقف المجتمع الدولي ككتلة واحدة لرفض هذا الانحدار الخطير، فإننا نكون قد وقعنا شهادة وفاة النظام الدولي بأيدينا، وسنذوق جميعاً مرارة عالم بلا قانون، بلا عدالة، وبلا سلام.
ونواصل… إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
حسبنا الله ونِعم الوكيل
اللهم لا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 3 يناير 2026م
musapbrear@gmail.com
