زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة تكتب : *بين الميدان والدبلوماسية…السودان يعيد ترتيب أوراقه إقليميًا*
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة تكتب :
*بين الميدان والدبلوماسية…السودان يعيد ترتيب أوراقه إقليميًا*

حديث وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم في صالون الصحفي جمال عنقرة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إفادات سياسية للإعلاميين ، بل يمثل إعلانًا واضحًا لانتقال الدولة السودانية من مرحلة الصمود الدفاعي إلى مرحلة إدارة النصر سياسيًا ودبلوماسيًا ، فالتأكيد على قرب نهاية الحرب في كردفان ودارفور ، مقرونًا بالحديث عن الدبلوماسية الشعبية ، يعكس وعيًا رسميًا بأن المعركة لم تعد عسكرية خالصة ، بل باتت معركة ميدان وبناء تحالفات ، واصطفاف إقليمي ، وغير بعيد عن ذلك ، تبرز زيارات رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى مصر والسعودية وتركيا بوصفها تحركات محسوبة في اتجاه محور إقليمي يملك ثقلًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا ، هذا المحور وإن لم يُعلن رسميًا ، إلا أن ملامحه تتشكل على قاعدة دعم الدولة الوطنية ، ورفض تفكيك الجيش السوداني ، والتوجس من مشاريع الفوضى العابرة للحدود ، اللافت أن هذا الحراك يأتي في توقيت تشهد فيه العلاقات السعودية الإماراتية توترًا غير مسبوق ، خرج من الغرف المغلقة إلى فضاء الإشارات العلنية ، والدخول في مناوشات عسكرية على أرض اليمن بين الدولتين ، أضف إلى ذلك ما كشفته السعودية مؤخرًا من تحفظات على سياسات إماراتية في الإقليم ، خاصة في ملفات الصراعات الداخلية ودعم الفاعلين من خارج الدولة ، الأمر الذي يضع المشهد السوداني في إطار أوسع من كونه صراعًا بين منطق الدولة ومنطق الوكلاء.
من هنا يصبح انفتاح السودان على الرياض وأنقرة والقاهرة رسالة سياسية بليغة مفادها ، الخرطوم تعيد تموضعها ضمن معسكر يفضّل الاستقرار طويل الأمد على المكاسب السريعة ، ويقرأ الأمن القومي بوصفه شبكة مترابطة لا ساحات منفصلة ، كما أن هذا التمركز يمنح السودان هامشًا أوسع في مواجهة الضغوط ، خاصة تلك التي حاولت اختزال الحرب في سرديات إنسانية معزولة عن جذورها السياسية والأمنية.
حديث الوزير عن الدبلوماسية الشعبية لا يقل أهمية عن التحركات الرسمية ، فالسودان الذي تعرض لتشويه ممنهج في الرأي العام الدولي ، بحاجة إلى تعبئة الجاليات ، والإعلام والنخب المدنية ، لتوحيد الخطاب وكسر الاحتكار الخارجي للرواية ، وهو إدراك متقدم بأن السفارات وحدها لا تكفي ، وأن معركة الصورة لا تقل ضراوة عن معركة السلاح ، في المحصلة ما بين صبر الميدان وحراك الدبلوماسية ، يبدو أن الدولة السودانية تراهن على الزمن ، لا استعجالًا ولا ارتباكًا ، رهان قد يكون طويل النفس ، لكنه إن أُحسنت إدارته كفيل بإعادة السودان لاعبًا لا ساحة ، وشريكًا لا تابعًا في معادلات الإقليم…لنا عودة.
