*منحٌ تأتي على ظهر المحن* د. إسماعيل الحكيم..
*منحٌ تأتي على ظهر المحن*
د. إسماعيل الحكيم..

Elhakeem.1973@gmail.com*
تأتي جامعة العلوم والتكنولوجيا لتكتب سطرًا مضيئًا في دفتر الوطن في زمنٍ شحَّ فيه العطاء، وأمسك كثيرٌ من الناس أيديهم خوفًا أو عجزًا، ووقف العالم متفرجًا على نزيف السودان طروباَ بمأساته ، وتؤكد أن المحن – مهما اشتدت – لا تخلو من منح، وأن الأزمات قد تحمل في طياتها بذور النهوض لمن يملكون الإرادة والبصيرة.
لقد استُهدفت المنظومة الصحية السودانية استهدافًا مباشرًا خلال حرب الكرامة ، أطباءً كانوا في الصفوف الأولى، ومؤسساتٍ طبيةً طالها التخريب والتعطيل، في محاولة خبيثة لكسر عمود الحياة في هذا البلد. لكن السودان، كما عُرف عنه دائمًا، لا ينكسر، بل ينهض، ويأتيه من يصنع الفارق بالفعل لا بالقول، ومن يحوّل الألم إلى مشروع بناء، والجرح إلى أمل.
إنَّ إعلان جامعة العلوم والتكنولوجيا عن منح جامعية في تخصصات طبية مختلفة تعدي كل قرارات الدنيا و مبادرات التعليم العابرة، لبصبح موقفاً أخلاقياً ورسالة وطنية بليغة، مفادها أن التعليم – لا سيما التعليم الطبي – هو خط الدفاع الأول عن مستقبل البلاد، وأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم أشكال الإعمار وأبقاها أثرًا.
وعلى الرغم من الكلفة الباهظة لدراسة الطب، وما تتطلبه من إمكانات وتجهيزات وموارد، إلا أن الجامعة اختارت أن تخفض الجناح، وتبسط العون، وتعلن للملأ أن الوقوف إلى جانب أبناء الوطن في وقت الحاجة هو عين المسؤولية، وهو واجب الواجبات، وليس منّة ولا تفضّلًا. وهكذا تُقاس المؤسسات الكبرى، وهكذا تُعرف الجامعات التي تنتمي لوطنها لا لشعاراتها.
إن هذه المنح تأتي وكأنها تحدٍّ صريح لليأس، وتسابق نبيل نحو البناء والإعمار المنشود، وتأكيد عملي على أن السودان يُبنى بسواعد أبنائه البررة، وبعقول طلابه، وبأطباء الغد الذين سيحملون رسالة العلاج والرحمة في وطنٍ أنهكته الجراح غير أنه لم يفقد روحه.
ويظل البروفيسور مأمون حميدة واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بالفعل لا بالضجيج، وبالمعروف لا بالادعاء، وبالوقوف الصادق في صف الوطن، ودعم الضعفاء، وأبناء الشهداء، واليتامى الذين قدّموا أغلى ما يملكون في معركة الكرامة. وما هذه المنح إلا امتداد طبيعي لمسارٍ طويل من الانحياز للإنسان السوداني، ولحقه في التعليم والحياة الكريمة.
إنها رسالة مفتوحة في سماء العطاء المدثر بثوب المساندة لتقول بوضوح إن السودان، رغم الاستهداف، ورغم الجراح، ما زال ينجب من يؤمن به، ومن يراهن على مستقبله، ومن يوقن أن بناء الأوطان يبدأ من قاعات الدرس، ومن معاطف الأطباء البيضاء، ومن ضميرٍ حيٍّ لا يغيب وقت الشدائد.
تحية لجامعة العلوم والتكنولوجيا، وتحية لكل من اختار أن يكون جزءًا من الحل، لا شاهدًا على الألم. ففي مثل هذه المبادرات، يُصاغ الأمل، ويُكتب تاريخ ما بعد الحرب.
