منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

محمد طلب يكتب :  *سودانية تهوي عاشق ود بلد*

0

محمد طلب يكتب :

 

*سودانية تهوي عاشق ود بلد*

حين تُغنى للوطن و هناك من يبقى خارج اللحن/ فهذه مشكلة قد تحسب عليك أنها اقصاء .. ما يلي قراءة في أغنية (سودانية تهوى عاشق ود بلد)
تُعد هذه الاغنية بصوت محمد وردي وكلمات أبو آمنة حامد واحدة من أكثر الأغنيات السودانية حضوراً في الوجدان السوداني لا باعتبارها أغنية غزل فحسب بل بوصفها نشيداً غير معلن للوحدة الوطنية .. حيث تتحول المرأة إلى استعارة للوطن .. ويتحول الجمال إلى جغرافيا تمتد من حلفا شمالاً إلى نمولي جنوباً و من الشرق إلى اقصى الغرب
وقد كنت تناولت هذه الأغنية من قبل في مقال بعنوان ( انا ود الحِلة) وكان عموده الفقري للمقال الدعوة إلى كسر الدوائر الاجتماعية المغلقة و الخروج من أسر مفاهيم مثل (بت بلدي) و (ود الحِلة) التي تناولتها الاغنيات و ضرورة الانفتاح على الزواج من مناطق أخرى داخل السودان و خارجه لما لذلك من فوائد اجتماعية و ثقافية و إنسانية تسهم في تفكيك العصبيات الضيقة وبناء مجتمع أكثر تمازجاً وتسامحاً …

في ذلك المقال جاءت الأغنية بوصفها نصاً داعماً لفكرة الانفتاح علي مستوي جغرافية السودان إذ تجوب البلاد من أقصاها إلى أدناها وتقدم الحب بوصفه متحدياً للجغرافيا والانتماءات المحلية وهو ما جعلها تُصنف بحق ضمن الأغنيات (الوطنية) التي تُستدعى كلما أردنا الحديث عن السودان الواحد الواسع الشاسع ..

غير أن إعادة قراءة النص اليوم بتنبيه ذكي من الصديق (عبد الماجد) فتحت زاوية نظر مختلفة وربما أكثر حساسية فقد لفت انتباهي إلى أن الأغنية رغم امتدادها الجغرافي الواسع لم تذكر (دارفور) الواسعة الممتدة واكتفت بتمثيل غرب السودان عبر دار حمر والبقارة والنقارة و هي مكونات محترمة وأصيلة .. لكنها لا تختزل دارفور و لا تُعبر عن ثقلها التاريخي والثقافي والإنساني رغم ان البقارة قبائل تمتد من كردفان الي دارفور و حتي تشاد إلا ان عدم وجود (دارفور) إسماً يجلب للشاعر بعض العناء في الظروف الحالية او غيرها …

رغم ان هذا التنبيه لا يُدين الشاعر رحمه الله ولا يُنقص من قيمة الأغنية لكنه يفتح سؤالاً ضرورياً هل التعداد الجغرافي والقبلي يصنع بالضرورة خطاباً جامعاً؟؟؟
أم أنه قد يتحول دون قصد إلى إقصاء رمزي؟؟؟ حتي وان كان غير مقصوداً ..

في هذه الأغنية إختار الشاعر أن يُجسد السودان عبر محطات بعينها حلفا، كريمة، شندي، سنكات، رفاعة، الجزيرة، دار حمر، الشايقية، البقارة، جوبا….(راجعوا النص)
وهي جغرافيا (واسعة) بلا شك لكنها ليست (كاملة) .. وهنا ربما يذكر القارئ طرفة الشاعر ود الرضي رحمه الله مع بعض أهالي احدي قري النيل الابيض التي لم يذكرها في أغنية (من الاسكلا) التي ذكرت محطات الباخرة النيلية من الاسكلا الي الرجاف .. فحينما وجدوا ان قريتهم غير مذكورة ضمن المحطات التي ذكرها عاتبوه .. لكنه تجاوز المطب بطرافة تعرفونها ..
فغياب دارفور في بلد بحساسية السودان لا يمكن مروره اليوم دون تأمل .. خاصة في ظل ما عرفه الإقليم من تهميش تاريخي وصراعات دامية وحرب طويلة وانتهاكات شنيعة ….

ولا شك أن الشاعر لم يكن يقصد الإقصاء بل كان يسعى إلى رسم لوحة للسودان المتنوع غير أن النوايا الحسنة لا تعفي النص من المساءلة لأن الكلمة في السياق السوداني ليست بريئة دائماً .. و الغياب قد يُقرأ بوصفه موقفاً ..حتى إن لم يكن كذلك…

تكمن الإشكالية هنا في منطق التسمية وذكر اسماء بعينها .. فعندما نبدأ في تعداد المناطق والقبائل ندخل تلقائياً في حقل ألغام من ذُكر؟؟ ومن غاب؟؟ ولماذا؟؟ وهل التمثيل كان منصفاً أم انتقائياً؟؟ ووو….
وفي بلد يضم مئات القبائل وعشرات اللغات واللهجات يصبح الإحاطة مستحيلة ويغدو التعداد (paradoxically) أقل شمولاً من التعميم .. من هنا يبدو أن عبارة (سودانية تهوى عاشق ود بلد) كانت كافية و مكتفية بذاتها لو ظل الخطاب في مستوى الرمز الجامع دون النزول إلى تفاصيل قد تُفهم بمرور الزمن على أنها حصر أو إقصاء غير مقصود …
هذا لا ينتقص من مكانة الأغنية ولا من قامة وردي ولا من تجربة أبو آمنة حامد لكنه يضع العمل في سياقه التاريخي والثقافي .. ويذكرنا بأن الأغنيات مثل الخطابات العامة هي مواليد زمانها تحمل وعيه وحدوده بقدر ما تحمل أحلامه ..
ولعل المفارقة أن أغنية قُصد بها الانفتاح على الآخر والدعوة الضمنية لكسر الدوائر المغلقة تقع دون قصد في فخ إعادة إنتاج بعض تلك الدوائر و لو على مستوى التمثيل الرمزي ..
الدرس هنا ليس إدانة نص ولا شاعر بل التنبيه إلى *(خطورة التفاصيل في الخطاب العام)* ففي السودان حيث الجراح مفتوحة والهوية موضع صراع يصبح التعميم الواعي أحياناً أكثر عدلاً من التخصيص غير المكتمل .. و يجب ان ينتبه الساسة والادباء والفنانين في خطابهم .. فنحن بحاجة اليوم إلى خطاب ثقافي يشبه السودان كما هو ..
(متعدد بلا تعداد)
ومنفتح بلا اشتراط
و وطن يسع الجميع دون الحاجة إلى ذكر أسمائهم واحداً واحداً فالوطن الحقيقي لا يُختصر في لحن
ولا يكتمل بقائمة .. بل يُقاس بمن شعروا أنهم فيه و منه وإليه واحسوا به وطن (حدادي مدادي) يسع الجميع بلا (بل) و لا (جقم) و لا (معردين) ولا (مشردين) ولا (المعاملة كيف) ولا( باع) و لا (تك) و لا (ميغ) ولا كل ما أفرزته هذه الحرب الكارثية…

سلام
محمد طلب
mtalab437@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.