*وجوب الوحدة السياسية للأمة مع وجود الاختلاف* ✍️ * السفير/ رشاد فراج الطيب*
*وجوب الوحدة السياسية للأمة مع وجود الاختلاف*
✍️ * السفير/ رشاد فراج الطيب*

قال تعالى في القرآن الكريم :
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .
آيةٌ قصيرة في مبناها ، عميقة في معناها ، تؤسس لوحدة المرجعية قبل وحدة الجغرافيا ، ولوحدة المقصد قبل وحدة السياسة .
غير أن واقع الأمة اليوم يكشف مفارقة مؤلمة ، أمةٌ يجمعها كتاب واحد ، ويفرقها خطابٌ متنازع ، وأعداءُ الخارج لم ينجحوا في ضربها إلا حين نجحوا أولاً في استثمار هشاشتها الداخلية .
لم يكن تفريق الأمة عملاً عسكرياً في بدايته ، بل كان عملاً فكرياً ونفسياً .
فحين يُنقل الخلاف من دائرة الاجتهاد إلى ساحة الصراع ، وحين يتحول المذهب إلى هوية مغلقة ، والقومية إلى جدارٍ نفسي ، يصبح الجسد قابلاً للتشظي .
لم تكن الأمة عبر تاريخها تخلو من اختلافات فقهية أو عرقية ؛ فقد امتدت حضارتها من قرطبة إلى بغداد ، ومن إسطنبول إلى سمرقند ، وكانت تضم العربي والتركي والفارسي والكردي والأمازيغي ، وتضم مدارس متعددة في الفقه والكلام والتصوف .
ومع ذلك لم يكن التنوع سبباً للانهيار ، بل كان أحد مصادر القوة.
التحول الخطير وقع عندما أُعيد تعريف الاختلاف باعتباره تهديداً وجودياً لا ثراءً فكرياً .
هنا وجد الخصم الخارجي فرصته . فبدلاً من أن يهاجم أمة متماسكة ، صار يدير تناقضاتها ، ويغذي حساسياتها ، ويوظف مخاوفها .
تُضخّم الحوادث الصغيرة لتتحول إلى قضايا هوية ، وتُعاد كتابة التاريخ بمنطق الثأر لا بمنطق العبرة ، ويُستدعى الماضي ليُشعل الحاضر .
نجاح الأعداء في ضرب الأمة من داخلها لم يكن سببه تفوقاً مطلقاً بقدر ما كان نتيجة قابلية داخلية للاستقطاب والاستلاب .
حين تفقد المجتمعات ثقتها بذاتها ، يصبح من السهل تخويفها .
تُلصق بها التهم ، مرةً بالتطرف والارهاب ، ومرةً بالتخلف ، ومرةً بتهديد السلم العالمي .
ويُعاد إنتاج صورة نمطية تجعلها في موقف دفاع دائم ، فتستهلك طاقتها في الرد على الاتهام بدلاً من بناء مشروعها .
سياسة التخويف أخطر من الحرب المباشرة ؛ لأنها تُدخل الشك إلى الداخل .
يبدأ الفرد في الارتياب من أخيه ، والطائفة في التخوف من الأخرى ، والدولة في الحذر من جارتها .
وهنا تتآكل الثقة ، وهي رأس مال الوحدة .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس الهزيمة العسكرية ، بل فقدان الإيمان بدينها وبمشتركها الحضاري .
فقد شغلوا الأمة بضرورة تجديد الخطاب الديني وماقصدوا الا أبعاد الدين عن حياتها الاجتماعية والسياسية ، وكان الأولي هو تجديد الخطاب السياسي تجاه الدين حتي يكون الدين هاديا للحياة وللسياسة لا خصما لها.
لقد تحولت بعض الخلافات المذهبية والعرقية إلى أدوات تعبئة سياسية ، وتحوّلت بعض القوميات إلى مشاريع تنازع جغرافي ، بينما الأصل أن يكون الانتماء الأعلى هو الانتماء للمرجعية الجامعة .
الآية الكريمة لم تلغِ الاختلاف ، لكنها وضعت سقفه ، وأنا ربكم فاعبدون .
أي أن المرجع واحد ، وإن تعددت الاجتهادات .
المطلوب اليوم ليس خطاباً عاطفياً عن الوحدة ، بل مراجعة عميقة لمنظومة إدارة الاختلاف .
المطلوب تحرير التدين من الخوف من العدو ، وتحرير السياسة من الاستثمار في المخاوف .
المطلوب إعادة الاعتبار للمقاصد الكبرى : العدالة ، الحرية ، والكرامة ، والعمران ، والأمن المشترك .
فحين تشعر الشعوب أن كرامتها مصانة ، وأن مصالحها مقدمة على الحسابات الضيقة ، تصبح أقل قابلية للاستقطاب .
إن الأعداء لا يصنعون الانقسام من فراغ ، بل يجدون شروخاً فيوسّعونها .
أما إذا رُدمت الشروخ بالوعي والعدل ، فلن تجد مشاريع التفتيت بيئةً خصبة .
وحدة الأمة ليست حلماً مثالياً ، بل ضرورة استراتيجية .
وهي لا تعني تطابق الرؤى ، بل الاتفاق على القواسم الكبرى ، والاعتراف بشرعية التنوع داخل إطار الانتماء الجامع .
إن معركة الأمة اليوم ليست فقط مع خصمٍ خارجي ، بل مع طريقة تفكير تسمح للخصم أن يدخل من الأبواب المفتوحة .
وإذا كانت التهمة تُلصق بنا ظلماً ، فإن أفضل رد ليس الصراخ ، بل بناء نموذج حضاري يعيد تعريفنا بأفعالنا لا بأوصاف الآخرين لنا.
حين تستعيد الأمة ثقتها بمرجعيتها ، وتتعامل مع اختلافها بوصفه ثراءً لا تهديداً ، وحين تعي أن التخويف سلاح نفسي قبل أن يكون سياسياً ، عندها فقط تفشل خطط التفريق ، وتتحقق حقيقة الآية : أمة واحدة ، برب واحد ، وغاية واحدة ، وإن اختلفت مدارسها وأعراقها .
