منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*مقال السفير الخبير عبد المحمود حول زيارة وزيرة ليبيريا للسودان* *بقلم السفير / رشاد فراج الطيب*

0

*مقال السفير الخبير عبد المحمود حول زيارة وزيرة ليبيريا للسودان*

*بقلم السفير / رشاد فراج الطيب*

السفير رشاد

 

يمثل المقال الذي كتبه مؤخرا الدبلوماسي المخضرم والخبير عبد المحمود عبد الحليم نموذجاً رفيعاً للكتابة الدبلوماسية التي تجمع بين الخبرة العملية العميقة والذاكرة التاريخية الحية والأسلوب الإبداعي الرصين .

فالرجل ليس مجرد كاتب أو معلق سياسي ، بل أحد أعمدة الدبلوماسية السودانية الذين عايشوا مراحل مفصلية في التاريخ الإفريقي والدولي ، وأسهموا بفاعلية في العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف ، الأمر الذي يمنح شهادته وسرده للأحداث قيمة خاصة ، لأنها صادرة عن شاهدٍ من داخل المطبخ الدبلوماسي الإفريقي لا عن مراقب من خارجه .

ومن ثم فإن مقاله حول زيارة وزيرة خارجية ليبيريا إلى السودان يتجاوز كونه تعليقاً على حدث دبلوماسي عابر ، ليصبح قراءة تاريخية وسياسية وإنسانية لمرحلة كاملة من مسيرة العلاقات الإفريقية .

أولاً : الدلالة السياسية للزيارة
ينطلق المقال من مناسبة زيارة وزيرة خارجية ليبيريا ساره بيسولو نيانتى إلى السودان ، وهي زيارة يقرأها الكاتب في سياقها الدبلوماسي الأوسع ، بوصفها مؤشراً مهماً على استمرار التواصل الإفريقي مع السودان في لحظة إقليمية معقدة .

ويشير السفير عبد المحمود ، بحس الدبلوماسي الخبير الذي يلتقط الإشارات السياسية الكامنة وراء الأحداث ، إلى أن هذه الزيارة تُعد من أهم الزيارات الإفريقية الرفيعة إلى الخرطوم في الفترة الأخيرة ، وهو ما يضفي عليها دلالة تتجاوز البروتوكول إلى إشارة سياسية رمزية لكسر العزلة وإحياء جسور التواصل السوداني الإفريقي .

كما يلفت إلى الخلفية المهنية الرفيعة للوزيرة التي عملت في مواقع قيادية داخل الأمم المتحدة ، وهو تفصيل يعكس إدراك الكاتب لأهمية الخبرات الأممية في صياغة الدبلوماسية الإفريقية المعاصرة ، خصوصاً في مجالات الدبلوماسية الإنسانية والتنمية وقضايا المرأة والطفل .

ثانياً : استدعاء الذاكرة الدبلوماسية الإفريقية
ومن أبرز ما يميز المقال قدرة السفير عبد المحمود على استحضار الذاكرة الدبلوماسية الإفريقية بدقة وثراء .

فهو ينتقل بالقارئ إلى تجربته الشخصية في حضور القمة الإفريقية في منروفيا عام 1979 ، حين كان السودان يترأس منظمة الوحدة الأفريقية عقب القمة التي انعقدت في الخرطوم عام 1978.

ومن خلال هذا السرد ، يقدم الكاتب شهادة مهمة على الدور الذي اضطلع به السودان في تلك المرحلة بوصفه أحد الفاعلين الكبار في القارة الإفريقية ، حيث أسهمت رئاسة السودان للمنظمة في دعم قضايا التحرر الإفريقي ، وعلى رأسها قضية استقلال زيمبابوي من خلال الاعتراف بالجبهة الوطنية بقيادة روبرت موغابي وجوشوا نكومو ، وهو ما أسهم في إسقاط مشروع “التسوية الداخلية” الذي حاولت سلطات الأقلية البيضاء فرضه آنذاك .

كما يشير إلى الجهود الإفريقية لدعم استقلال ناميبيا ومساندة حركة سوابو ، إضافة إلى الوساطات التي قامت بها المنظمة في النزاعات الإفريقية المختلفة ، وهي تفاصيل تعكس عمق معرفة الكاتب ببنية العمل الإفريقي المشترك في تلك الحقبة .

ثالثاً : المأساة السياسية في التاريخ الليبيري
ويمضي المقال بعد ذلك إلى تقديم عرض مكثف لتقلبات التاريخ السياسي في ليبيريا ، مستعرضاً النهاية المأساوية للرئيس ويليام تولبرت الذي أطاح به انقلاب قاده الرقيب صمويل دو عام 1980.

غير أن الكاتب ، بخبرة الدبلوماسي الذي خبر تقلّبات السلطة في إفريقيا ، يلفت إلى أن دو نفسه لم يلبث أن انتهى نهاية مأساوية على يد أمير الحرب برنس جونسون ، في مشهد صادم تابع العالم تفاصيله .

ويواصل السفير عبد المحمود استعراض حلقات العنف التي عرفتها ليبيريا لاحقاً خلال الحروب الأهلية، حيث برز اسم تشارلز تايلور الذي وصل إلى السلطة ثم انتهى به المطاف مداناً بجرائم حرب ، وهو ما يعكس المفارقة المؤلمة في تاريخ بلد تأسس أصلاً ليكون ملاذاً للحرية.

رابعاً : محاولات التعافي وبناء الدولة
وعلى الرغم من هذا التاريخ المثقل بالصراعات ، يبرز الكاتب محاولات ليبيريا للخروج من دوامة الحرب وبناء مؤسسات الدولة من جديد .

ويشير في هذا السياق إلى انتخاب أسطورة كرة القدم الإفريقية جورج ويا رئيساً للبلاد ، في تجربة سياسية لافتة سبقتها رئاسة إيلين جونسون سيريليف التي كانت أول امرأة تُنتخب رئيسة في إفريقيا عبر انتخابات حرة .

كما يلفت المقال إلى جهود الرئيس الحالي جوزيف بواكاي في تعزيز المصالحة الوطنية ، بما في ذلك الخطوات الرمزية لتكريم شخصيات تاريخية متصارعة والاعتذار للشعب الليبيري عن مآسي الماضي ، في محاولة لطي صفحة الحرب الأهلية .

خامساً : البعد الأدبي والرمزي في خاتمة المقال
ويبلغ المقال ذروته الأدبية في خاتمته التي يستحضر فيها الكاتب مشهد سواحل الأطلسي في منروفيا ، حيث تتحول الطبيعة إلى استعارة إنسانية عميقة: فمياه المحيط التي تعانق الشاطئ تبدو وكأنها تتوق إلى غسل دماء الماضي .

وهذه اللمسة الختامية تكشف جانباً آخر من شخصية السفير عبد المحمود ، إذ لا يكتب بوصفه دبلوماسياً فحسب ، بل أيضاً بوصفه كاتباً يمتلك حساً أدبياً وتأملياً رفيعاً يضفي على التحليل السياسي بعداً إنسانياً وفلسفياً عميقا.

خلاصة القراءة
بهذا المعنى ، فإن مقال السفير عبد المحمود عبد الحليم لا يقتصر على كونه تعليقاً على زيارة دبلوماسية ، بل هو نص غني يجمع بين شهادة تاريخية ، وتحليل سياسي رصين ، واستدعاء للذاكرة الإفريقية المشتركة .

كما يعكس المقال خبرة دبلوماسية طويلة وقدرة نادرة على الربط بين الماضي والحاضر ، وهو ما يجعل كتاباته إضافة مهمة للمكتبة السياسية والفكرية السودانية والإفريقية على السواء .

إن القيمة الحقيقية لهذا النص تكمن في أنه صادر عن دبلوماسي مخضرم عايش الأحداث وصاغ بعض فصولها بجهده وعمله ، ولذلك فإنه يمنح القارئ نافذة نادرة على تاريخ إفريقيا السياسي من زاوية الخبرة المباشرة والمعرفة العميقة.

هذا السفير الخبير الفذ جدير بأن يكون في المكان المناسب مستشارا في قلب المطبخ الذي يصنع سياستنا الخارجية بعلاقاتها ومواقفها تجاه الإقليم والعالم سيما في هذا الوقت .

شكرا معالي السفير

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.