منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*في حرب الكرامة .. الشرطة السودانية من دفاتر الأحوال إلى فوهات المدافع* *الشاذلي حامد المادح*

0

*في حرب الكرامة .. الشرطة السودانية من دفاتر الأحوال إلى فوهات المدافع*

 

*الشاذلي حامد المادح*

 

لطالما وقفت الشرطة السودانية عبر تاريخها الباذخ بالبذل سداً منيعاً يحرس طمأنينة الشوارع و يضبط ميزان الإستقرار إلا أنها تجرّعت لسنوات طوال مرارة الجحود و النكران و وقفت صابرةً تحت وطأة حملات ممنهجة وسهام نقدٍ مسمومة غُذِّيَت بحالة لا وعيٍ زائف إستهدف تقويض هذا العمود الفقري لهيبة الدولة فحاصرتها افتراءاتٌ سعت لشيطنة دورها المحوري ظناً منهم أن هيبة القانون يمكن كسرها بصيحات التشكيك .
غير أن زلزال الحرب لم يكن مجرد ميدانٍ للقتال بل كان البرهان القاطع الذي دحض كل تلك الأراجيف و نسف مخططات التشويه فلم تلوِ الشرطةُ جِيْدَها انتظاراً لتكليف بل اندفعت بعنفوان الإنتماء لتلتحم في خندق المصير الواحد مع القوات المسلحة .
هناك وسط لظى المعارك و قوافل الشهداء رسمت الشرطة السودانية لوحةً من الثبات الأسطوري في وجوه من خذلوها و مُجبرةً التاريخ على تدوين اعتذارٍ واجبٍ بحقها ، فقد وجدها الشعب في صفه حامياً و ذائداً و أدرك يقيناً أن اليد التي تسهر على خدمته في السلم هي ذاتها اليد التي تنزف فداءً لبقاء الوطن في الحرب .

*الإلتحام مع الجيش .. و المصير الواحد*
بدأت ملحمة الشرطة في حرب الكرامة بالتصدي للهجمة الشرسة التي إستهدفت أقسامها و مقارها في الساعات الأولى من الحرب في محاولة يائسة لكسر هيبة الدولة و تغييب الأمن .
لم تكن الشرطة مجرد قوة رد فعل بل كانت جزءاً من استراتيجية دفاعية متكاملة منذ الطلقة الأولى فبينما كانت المليشيا تعتمد على الغدر و الإنتشار العشوائي أدارت رئاسة الشرطة الأزمة بألية “الفريق واللواء” علر قروب عملياتي هدف إبتداءا لتأمين المرافق الحيوية من مستشفيات و سجون و منشآت استراتيجية و في خطوة عكست دهاءً عسكرياً إستدعت القيادة “ضاربي الأسلحة الثقيلة” من المتقاعدين من شرطة الإحتياطي المركزي الذين شكلوا مع زملائهم في الخدمة النواة الأولى للجهد العسكري لقوات الشرطة و تزامنا مع كل ذلك أطلقت الشرطة دوريات متحركة أمنت مناطق حيوية واسعة في المدن الثلاث و وجهت وحداتها في كافة أنحاء البلاد لتفعل ذات الفعل .

*أيقونة الصمود .. أبو طيرة فكاك الحيرة*
تبرز قوات الإحتياطي المركزي (أبو طيرة) كأيقونة لهذه المعركة حيث نقلت خبراتها التاريخية في كفكفت الصراعات القبلية و عمليات الأمن العام و تأمين الطرق البرية في دارفور و كردفان و مشاركاتها المقدرة في حرب الجنوب نقلت كل تلك الخبرات القتالية إلى شوارع الخرطوم و أم درمان و بحري و قد تميزت قوات الإحتياطي بقدرات هائلة في القتال و تكتيكاته و هي التي تتصف بالصبر و النفس الطويل و الدهاء الميداني في “حرب الشوارع” معتمدة على تكتيك “الصد و الإمتصاص” ثم المباغضة و الهجوم المضاد و في سجلات المجد تبرز ملحمة رئاسة الاحتياطي بـ “فتيح العقليين” كواحدة من أشرس و أكبر معارك الصمود و الثبات حيث صمدت قوات الشرطة في هذا الموقع أمام (27) هجوماً متتالياً لا يقل الواحد منه عن مئتي عربة قتالية كاملة التجهيز من العتاد و الأفراد محدثة كثافة نيران هائلة و من فوقهم المسيرات التي تملأ سماء الإحتياطي المركزي و رغم كل ذلك صمدوا و لم تسقط المواقع إلا تحت تزايد وطأة المسيرات و غياب مضادات التشويش و بعد أن بذل الأبطال مهجهم حتى آخر طلقة و أستشهد المئات منهم في خنادقهم .
ومن رحم هذا الصمود في الإحتياطي المركزي إنطلق “متحرك الشهيد أيوب” الذي جسد معجزة عسكرية بفك الحصار عن سلاح المدرعات بالشجرة . انطلق المتحرك بعد ان تم تشوينه من مخازن الإحتياطي المركزي و تدعيمه بعناصر مقاتلة و شرسة من قوات الإحتياطي لتلتحق بإخوتهم من القوات المسلحة بالمدرعات و تقدم متحرك الشهيد أيوب تحت نيران كثيفة و نجح في اختراق طوق الحصار المضروب على منطقة “اللاماب” ليصل إلى المدرعات في لحظة فارقة مشكلاً دفعة معنوية و عسكرية هائلة قلبت موازين المعركة في محور المدرعات .

*القيادة بالقدوة .. دماء الرتب الرفيعة*
إن أعظم ما قدمته الشرطة في هذه المعركة هو “القيادة بالقدوة” فلم يكن القادة خلف المكاتب بل كانوا في مقدمة الزحف و يقف التاريخ إجلالاً أمام سيرة الشهيد الفريق عمر حمودة ذلك المقاتل النحيل الذي اكتشفه رفاقه في القتال الشرس لأشهر و بعد استشهاده أنه برتبة “فريق” ليكون أول فريق في تاريخ السودان يستشهد في الخندق مع جنوده و هو يمد جموده بالذخيرة و يوجه نيرانهم و يجلي المصابين و في ذات المعركة تأسر المليشيا فريق أخر من قوات الشرطة رفض الإنسحاب و ظل مرابطا داخل موقعه حتي تم أسره إنه الفريق يحي محمد أحمد (فك الله أسره).
لم تكن التضحية حكراً على الرجال في قاموس شرطة السودان فقد رسمت الشهيدة المقدم “نهاد محمد محجوب” (درة نساء السودان) لوحة من الوفاء في محاور أم درمان حيث أستشهدت و هي تؤدي واجبها الميداني مؤكدة أن الولاء للوطن لا يفرق بين رتبة و أخرى أو بين رجل و امرأة و هي تواصل قتالها و إخلائها للجرحى و إسعافهم حتى نالت الشهادة نسأل الله أن يتقبلها .

*ملحمة أم درمان .. محرقة الجنحويد*
و في قلب أم درمان سطر القطاع الأول للاحتياطي المركزي ملحمةً تخرُّ لها جباه التاريخ إجلالاً حيث تحول المعسكر إلى صخرةٍ صلدة تكسرت عليها أوهام المتمردين . هناك خاض فرسان أبو طيرة معركة وجودية رافضين الإستسلام أو الإنسحاب رغم جحيم النيران الكثيفة والتدوين المدفعي المركز الذي لم يهدأ . لقد اتبع الأبطال تكتيك (الصد والامتصاص) في أزقة أم درمان الضيقة محولين محيط المعسكر إلى (محرقة) تفحمت فيها مئات العربات القتالية للمليشيا و هلك المئات من الجنجويد و سجلت الشرطة السودانية صموداً أسطورياً صدوا من خلاله عشرات الهجمات الإنتحارية المتتالية بصدورٍ عارية إلا من الإيمان و رغم ضراوة الهجوم و غزارة المسيرات و الهجمات و كثافة النيران التي استهدفت الموقع ظل الشرطي السوداني ممسكاً بجمر القضية يقاتل حتى آخر طلقة و آخر قطرة دم لتظل أم درمان شاهدةً على أن هيبة الشرطة تجلت في أسمى صورها حين سقى أفرادها أديم الأرض بدمائهم مخلفين وراءهم إرثاً من البسالة سيبقى منارةً خالدة في سجلات العسكرية السودانية .

*الشرطة .. قتال في كل شبر*
لم تكن متحركات الشرطة مجرد إسناد بل كانت نصلًا حادًا في قلب المعارك الحاسمة من جحيم المدرعات و صمود حطاب و الكدرو إلى ملاحم بحري و الزحف المقدس في معارك أمدرمان نحو الإذاعة و منها الي الإلتحام العظيم مع المهندسين .. الشرطة كانت حاضرة في تفاصيل كل هذا المجد نعرف ضباطهم و افرادهم من خلال مقاطع الفديو التي تسعفنا بها الوسائط و قد دكوا معاقل التمرد و فكوا حصار المواقع المستعصية بتمشيطٍ جسور و تأمينٍ لا يغفل و لم تكتفِ الشرطة بتخوم العاصمة بل اندفعت خيولها نحو الجزيرة و سنار والنيل الأزرق و النيل الأبيض وصولاً إلى ثغور كردفان الصامدة حيث تبلي بلاءً تضيق عن وصفه العبارة . و في مشهدٍ يجسد نكران الذات و الذوبان في عشق الوطن انخرط قادةٌ و ضباطٌ من الشرطة في صفوف المقاتلين متجردين من رتبهم يقاتلون كمستنفرين في الخطوط الأمامية و كذلك لمعاشي الشرطة مشاركة واسعة في محاور القتال المختلفة بشيبهم و هيبتهم فمنهم من قضى شهيداً مخضباً بدمائه و منهم من لا يزال يرابط في مقدمة الصفوف مبرهنين للعالم أن روح الشرطي السوداني لا تعرف التقاعد حين ينادي منادي الكرامة .

*فلسفة الخدمة و الفداء*
إن الشرطة السودانية اليوم و هي تمهر بقاء الدولة بتوقيع الدم تغسل بمداد أرواحها كل لحظة جحودٍ سابقة و تُخرس بأزيز رصاصها و ثباتها و شهدائها أصوات التشكيك لتبرهن للسودانيين أن الشرطي هو الفدائيّ الذي يشرع صدره للموت لكي ينام جاره في دعةٍ و أمان .
و في قلب هذا الإعصار لم تكتفِ المؤسسة الأمنية بمقارعة المعتدي في الخنادق بل اجترحت معجزة الوفاء لشعارها الخالد (الشرطة في خدمة الشعب) فظلت إداراتها تعمل تحت انهمار القذائف تجابه الموت لتسقي الظمآن و تداوي الجريح وتيسّر شأن الناس في ملحمةٍ نادرةٍ تلاشت فيها الحدود بين واجب المقاتل و أمانة الخادم مؤكدةً أن الوفاء للوطن لا ينقطع حتى حين تحترق الأرض تحت الأقدام .

*خلاصة الدرس و الختام …*
واليوم .. يقف المواطن السوداني بجبينٍ يملؤه الفخر و قلبٍ يعتصره الاعتذار و هو يرقب (أيقونات الكرامة) من جسورِ منسوبي الشرطة و هم يحجزون مقاعدهم في طليعة البُناة لسودانٍ جديدٍ يُولد من رحم النار .
إن الملاحم التي سطرها الشهداء و المصابون من منسوبي الشرطة في أزقة الخرطوم و صمود حطاب و الكدرو و في بسالة المدرعات و شموخ أم درمان وصولاً إلى ثبات الجزيرة و عزيمة كردفان و كل شبرٍ من أديم هذا الوطن لم تكن مجرد سردٍ عسكريٍ عابر بل هي وثيقة شرفٍ معمدة بالدم و رسالة خالدة للأجيال بأن الشرطة السودانية ستظل أبداً درع الوطن الحصين و سنده المتين في السلم و الحرب و صمام أمان الكرامة الوطنية الذي لا ينكسر .. لقد إنقضى عهد الظنون و بقي اليقين : أن من يسهر على أمن الديار لا يضنّ بروحه حين ينادي المنادي للفداء .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.