✍️ *خبر وتحليل – عمار العركي* *تصنيف أميركي … فهل تفهم واشنطن ما يجري في السودان؟*
✍️ *خبر وتحليل – عمار العركي*
*تصنيف أميركي … فهل تفهم واشنطن ما يجري في السودان؟*

▪️أعلنت وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً تصنيف ما سمّته بـ “الإخوان المسلمين في السودان” كمنظمة إرهابية ، مع نية إدراجها لاحقاً ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. غير أن القرار، بدلاً من أن يقدم تفسيراً واضحاً أو تعريفاً دقيقاً للجهة المستهدفة، فتح باباً واسعاً من الأسئلة داخل السودان وخارجه، ليس فقط حول دوافعه السياسية، بل أيضاً حول مدى دقته في توصيف الواقع السوداني وتعقيداته التنظيمية والسياسية.
▪️فالصياغة التي استخدمتها واشنطن بها كثيرمن الغموض، إذ جمعت تحت عنوان واحد مسميات مختلفة مثل، الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية، لواء البراء بن مالك، رغم أن هذه الكيانات ليست بنية تنظيمية واحدة ولا تعمل ضمن هيكل سياسي موحد. هذا الخلط في التوصيف لا يعكس فقط ضعفاً في الدقة التحليلية، بل يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى فهم صناع القرار في واشنطن لطبيعة المشهد السوداني.
▪️والأكثر إثارة للتساؤل أن القرار حاول الربط بين هذا التيار السياسي وبين الحرس الثوري الإيراني، في صياغة تبدو أقرب إلى إسقاطات الصراع الأميركي–الإيراني على الساحة السودانية أكثر من كونها قراءة دقيقة للواقع المحلي السوداني. فمثل هذا الربط، الذي جاء في صيغة عامة وغير مدعومة بتفاصيل واضحة، يوحي بأن السودان يُدرج مرة أخرى ضمن خرائط التنافس الإقليمي بين واشنطن وطهران، بصرف النظر عن خصوصية تعقيدات الأزمة السودانية نفسها.
▪️ويكتسب القرار أبعاداً أكثر إثارة للجدل عند النظر إلى توقيته. فالبلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً في ظل الحرب الدائرة، وهي لحظة كان يفترض فيها أن تتجه الجهود الدولية نحو دعم الاستقرار ووقف التدهور، لا نحو إصدار قرارات تؤزم المأزوم ، وتُعقد المُعقد. ولهذا يبدو القرار، أقرب إلى رسالة ضغط سياسية مرتبطة بحسابات إقليمية منها إلى خطوة مدروسة تستند إلى فهم دقيق لتوازنات الداخل السوداني.
▪️كما أن الإشارة في القرار إلى “بعض التشكيلات العسكرية المرتبطة بالحرب الجارية في السودان” تفتح باباً واسعاً للتأويل السياسي، إذ توحي بمحاولة ربط الأزمة السودانية بخرائط النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهذا بدوره يعكس اتجاهاً أميركياً متزايداً للنظر إلى السودان ليس فقط من زاوية أزمته الداخلية، بل باعتباره جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتداخل فيها حسابات الأمن الإقليمي والتنافس الدولي.
▪️غير أن الإشكالية الأكبر في مثل هذه القرارات تكمن في أنها كثيراً ما تصدر بصياغات فضفاضة تسمح بتفسيرات متعددة، وهو ما يمنح واشنطن هامشاً واسعاً لاستخدامها لاحقاً كأداة ضغط سياسية أو دبلوماسية وفق تطورات المشهد. وفي الحالة السودانية تحديداً، فإن هذا النوع من الغموض قد يسهم في زيادة الاستقطاب السياسي الداخلي بدلاً من المساعدة في تخفيف حدته.
▪️وفي الداخل السوداني، كان لافتاً أن تسارع بعض الجهات السياسية إلى الترحيب بالقرار الأميركي، في خطوة بدت أقرب إلى حسابات التنافس السياسي الضيق منها إلى قراءة وطنية متأنية لتداعياته. فبدلاً من التعامل معه باعتباره تطوراً خارجياً يستدعي موقفاً وطنياً مسؤولاً، جرى توظيفه في بعض الخطابات السياسية كأداة لمناكفة الخصوم، وهو ما يعكس بدوره قصوراً في إدراك مخاطر تدويل الأزمة السودانية وتحويلها إلى ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الدولي.
▪️وفي المقابل، فإن إدخال مثل هذه التصنيفات في سياق الحرب الدائرة قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية إضافية على مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد بدلاً من المساهمة في احتوائه.
▪️وعند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن السودان أصبح بشكل متزايد جزءاً من معادلة التنافس الجيوسياسي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وفي هذا السياق، يبدو القرار الأميركي أقل ارتباطاً بتفاصيل الأزمة السودانية بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ترتيب بعض أوراق النفوذ في المنطقة.
*_خلاصة القول ومنتهاه_*
▪️لا يبدو القرار الأميركي خطوة واضحة المعالم بقدر ما يبدو تصنيفاً مرتبكاً يحمل قدراً كبيراً من الغموض السياسي والتعميم التحليلي. فهو يطرح أسئلة حول فهم واشنطن الحقيقي لتعقيدات المشهد السوداني، كما يثير مخاوف تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية في الإقليم. وفي ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي الأكبر هو تحصين الجبهة الداخلية ومنع تحويل الموقف الوطني إلى ورقة في صراعات الآخرين.
