منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*قصة إمام المسجد .. من دفاتر لجنة التمكين* بقلم:حسين عبد الرضي

0

*قصة إمام المسجد .. من دفاتر لجنة التمكين*

بقلم:حسين عبد الرضي

 

في هذا البلد .. الحكايات لا تمشي على أقدامها كما ينبغي .. بل غالباً ما تمشي على رؤوسها ، ثم تطلب منا أن نُصدّق أنها في وضعٍ طبيعي ..!
خذ عندك هذه الواقعة .. التي يتداولها الناس بين غصةٍ في الحلق و سؤالٍ بلا إجابة :
إمام مسجد .. رجلٌ أفنى عمره بين الأذان و الإقامة .. بين سجادةٍ تعرف خطواته و محرابٍ يحفظ صوته .. لم يدخل معركة و لم يرفع سلاحاً و لم يطلب من الدنيا سوى سترٍ بسيط و رضاً يختم به حياته ..
لكن في أيام التمكين اللعين .. أحياناً يكفي أن تكون “أباً” حتى تُدان ..!
الرجل ارتكب “جريمته” الكاملة : رفض أن يعيد إبنته إلى زوجٍ أدمن إهانتها كما أدمن الخمر .. قال : لا.
و هنا .. تبدأ القصة في الإنحراف عن مسارها الطبيعي .. و تقرر أن تمشي على رأسها ..!
الزوج – و هو بالمناسبة يرتدي عباءة “التمكين” على مقاس مصالحه – لم يناقش ، لم يراجع نفسه ، لم يخجل حتى .. بل اختار الطريق الأقصر : بلاغ .
ليس بلاغاً عادياً .. بل بلاغاً عبر بوابة السلطة .. حيث يمكن للخصومة العائلية أن تتحول إلى “قضية فساد” بضغطة نفوذ .!
و هكذا .. في لحظة واحدة .. تحوّل الإمام من رجلٍ يؤم الناس إلى “متهم” تؤمّه القيود .
أربعة أشهر ..
ليس في درسٍ ديني .. بل خلف القضبان .
ليس بين طلاب علم .. بل بين جدرانٍ باردة .
أربعة أشهر بلا دواء .. بلا زيارة .. بلا حتى تفسيرٍ مقنع لما يحدث .
و في هذه اللجنة .. لا تحتاج إلى حكمٍ لتُسجن .. يكفي أن يكرهك الشخص الخطأ .. في الوقت المناسب.!

ثم تأتي لحظة .. تصلح لأن تُكتب في كتابٍ عن “العدالة حين تفقد ذاكرتها” .
رجلٌ من الحي .. بسيط .. لا يحمل صفةً رسمية و لا رتبة .. يأتي ليكون ضامناً للإمام بعد أربعة أشهر من السجن في حراسات المقرن ..
يوقّع .. ثم يسمع من الضابط “نصيحة” باردة :
“خلو بالكم .. الزول دا بسرق أموال المسجد.!”
هنا .. لا يرد الرجل الضامن بحججٍ قانونية .. و لا بوثائق ..
بل ترد عيناه أولاً ..
دموع .. صادقة .. تسقط قطرات متتابعة على مكتب الضابط .. و كأنها تصرخ بكلما تملك من صوت ..
ثم يقول جملة تختصر المشهد كله:
“نحن كلنا ممكن نسرق .. إلا هو.”
وفي السودان… أحياناً تكون الدموع هي الشاهد الوحيد الذي لم يتم تزويره بعد ..

يمسك الرجل بطرف الخيط .. و يسحب الحقيقة من عنقها :
“المُبلّغ دا… زوج بنته” .. و جملة أخرى “هو معاكم في لجان المقاومة” ..
يصمت المكان .
ليس لأن الحقيقة جديدة .. بل لأنها فجأة أصبحت مكشوفة بلا رتوش .. الخلاف الذي كان يجب أن يُحل داخل بيت .. خرج يرتدي بدلة “قضية عامة” .
و الإنتقام الذي كان يجب أن يخجل من نفسه .. دخل من باب “القانون” .
الضابط .. ينخفض صوته .. و قبلها يخفض رأسه .. ثم يقول جملة تصلح عنواناً لمرحلة كاملة من عمر الوطن بين يدي لجنة وجدي :
“هنا مافي عدالة .. و أنا ما بقدر أعمل ليك حاجة.”
تخيل .. رجل يرتدي كاكي الشرطة .. يعترف أن الكاكي نفسه بلا حول و لا قوة.!

و في مشهدٍ لا يحتاج إلى تعليق .. يُطلب من الضامن أن “يتخارج” ..
كأن القضية مجرد معاملة إدارية .. لا أربعة أشهر من القهر داخل سجن التمكين .. و لا جسدٌ أنهكه المرض .. و لا كرامةٌ تم سحقها بهدوء .
يخرج الإمام ..
لكن السؤال يبقى في الداخل :
هل خرج من السجن .. أم خرج السجن معه ..؟

القصة هنا لا تتوقف عند رجلٍ واحد ..
بل تفتح باباً أوسع ..على ظاهرة يمكن أن نسميها ببساطة : “خصخصة الظلم”.
حين تتحول أجهزة الدولة إلى أدوات في يد خصومة شخصية ..
حين يصبح البلاغ وسيلة انتقام .. لا وسيلة إنصاف ..
حين يعترف المنفذ بالعجز .. و يستمر التنفيذ رغم ذلك ..
فنحن لا نتحدث عن حادثة .. بل عن خللٍ كامل في تعريف العدالة نفسها .

و الأخطر .. ليس السجن وحده ..
بل ما يرافقه :
أن يُحرم مريض من دوائه ..
أن يُعزل إنسان عن أسرته ..
أن يُترك جسدٌ ضعيف في مواجهة الإهمال ..
هذا ليس إجراءً ..
هذا شكلٌ من أشكال العقاب الذي لا يُكتب في الأحكام .. لكنه يُنفذ في الواقع .

و من بين كل التفاصيل .. تظل الصورة الأشد قسوة :
إمامٌ مسجد ..
لم يُعرف عنه إلا الصدق ..
يحتاج إلى “ضامن” ..
لا لأنه خطر ..
بل لأن الظلم نفسه خاف أن يموت بين يديه .!

في النهاية ..
قد يخرج الرجل من السجن ..
و قد تُغلق القضية على الورق ..
لكن تبقى الأسئلة معلقة :
من يعيد له ما سُرق من عمره؟
من يرمم ثقة الناس في عدالةٍ سمعوا اعتراف عجزها بأذانهم؟
و من يحاسب لحظة .. قررت فيها الحقيقة أن تُعامل كاتهام . و الكيد كدليل؟
في تلك اللجنة ..
ليست المشكلة أن الظلم يحدث ..
بل أن بعضهم يُمارسه .. و هو مطمئن .. أنه لن يُسأل .
و هنا ..
لا تعود الحكاية قصة إمام مسجد ..
بل تصبح مرآة ..
نرى فيها جميعاً .. كم يمكن أن تكون العدالة هشة .. حين تُترك بلا ضمير .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.