منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

مابين بلفاست واعلام cast د. ليلى الضو سليمان

0

مابين بلفاست واعلام ال cast

عند ارتكاب جريمة ما ، فإنه يتم تداولها عبر الإعلام الجماهيري كحدث ملفت ومثير ويصبح قضية الساعة، واذا ما كانت هذه الجريمة قد قام بارتكابها شخص غريب في مجتمع ليس موطنه فإن الحديث يصبح ( ترندا)
، وتحديدا الحديث عن جريمة بلفاست الرجل الأسود الذي طرح رجلا بريطانيا أبيض على الأرض وكانت الجاني يحمل سلاحا أبيض وأراد قتله به ، فبدأ بإزالة إحدى عينيه ، ثم قام بتمزيق أجزاء من الوجه وجسمه ولكن لحقه رجال الشرطة وانقذوه من بين يديه ،،فالمشهد في شارع عام وقامت إحدى المارات بتصوير الحادثة بهاتفها الجوال (وهاك يا تداول رسل لي وأرسل ليك) ولاندري عن حاله الآن شيئا،،لأن الكل أصبح منشغلا بالمجرم، فتداولت مواقع التواصل الاجتماعي جنسية الجاني ومحاوله الصاقه بعدة دول أفريقية وكان من ضمنها الحديث عن مجتمعنا السوداني ووصف بأنه سوداني ينتمي لدولة السودان ، بينما رفض الكثير نعته بالسوداني لأن في ذلك يعتبر مهانة لنا كسودانيين ومبررا بأنه وإن كان يحمل جوازا سودانيا فهو ليس بسوداني لكثرة ما نعلمه من حمل كثير من جيراننا وغير جيراننا للجواز السوداني بكل تهاون ويسر الأمر الذي قلما نجده يحدث في أي دولة
الشاهد في هذا الأمر والذي استوقفني وعلى قول أهلنا الطيبين (الشينة منكورة ) ، فهو وإن كان رجلا سودانيا أو من جنسية أخرى فهناك جريمة قد حدثت تنافي الأخلاقيات والقيم الإنسانية ، هذه هي الحقيقة التي لن يغيرها جنسية الجاني أو محيطه الجغرافي الذي ينتمي إليه.
الأمر الثاني والذي يكون للإعلام بوسائله المختلفة دور كبير فيه هو صناعة الرأي العام وبناء مفهوم جمعي يلتف حوله جميع البلاد والعباد والذي دائما ما يتكون رأي جمعي من خلال تلك الوسائل حول مثل هذه الجرائم عن مجتمعات وليس أفراد ، وهذا ما صنعه الغرب حين طور مفهوم الصورة النمطية وجعلها علما يدرس في مجالات الإعلام والدراسات الدولية كيف تصنع الصورة النمطية التي تحقق لك أهدافك وتصيب بها أعدائك عبر وسائل الإعلام ، وأن يكون تداول الحديث حول مجتمع المجرم وليس حول المجرم الذي ارتكب جرمه والله سبحانه وتعالى يحاسب الفرد وليس الجماعة،، وكل اتيه يوم القيامه فردا ،، ولكن الغرب يحاسب المجتمعات ويدينها ويوقف حالها كمان .
وصحيح أن المجرم سياخذ عقابه أيا كان شكل هذا العقاب الذي سيصيبه لكن يظل مجتمعه الذي ينتمي إليه معاقبا بجريمته التي ارتكبها وتظل صورة مصنوعة في أذهان الآخرين لا تخرج ولا تغادر الا بمجهود كبير تفشل دائما مجتمعاتنا في بذله وفي الحرص على نفيه ، والإعلام الجماهيري الذي صنع الصورة السالبة استخدم كل فنيات التأثير وهي الحذف والتركيز والتكرار بمعادلات قوية تبلغ الهدف ونحن حين نصحح نكون في موقف المدافع الذي لم يحسن اختيار وسائل الدفاع.
إن تداول المعلومة دون وعي من المرسل ودون استيعاب المتلقي تجعل الخبر عائما بين التصديق والتكذيب ، والمحطة التي نلجأ إليها للحصول على المعرفة للأسف دائما ما تكون وسائل غير منقحة وغير صادقة المصادر تتبع أهواء مرسليها.
لذلك أصبح الاعلام في مجتمعاتنا ليس هو المدان وحده وليس هو الوسيلة الهدامة بقدر ما أصبح المتداولون هم من يصنعون هشاشة المعرفة لأنفسهم ونصبح كالامعة إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا أسأنا ، ونتبع كل ما يقال ونردده دون أدنى وعي منا أو تمحيص.
القانون لا يحاكم فردا دون أن يترك له مساحة الدفاع واثبات الجريمة عليه أو نفيها ودوافعه لذلك ، والتأكد من سلامة العقل الذي به يحاكم كل إنسان ،ويظل الفرد هو صانع الحدث ويظل المجتمع مسئولا عن رعيته و لماذا تركهم فريسة ظروف قد تؤدي به لايذاء أنفسهم وايذاء من حولهم ، قطعا جريمة مثل هذه لم تعد حدثا نادرا حيث أصبحت المجتمعات كلها تضج بجرائم متعددة يتنوع فيها السلاح والدوافع والمرتكب ، وإن كان من شئ يقال فلابد من تكثيف البحوث العلمية التي تسعى لمعالجة مثل تلك الظواهر اللإنسانية ، ولنا في الحديث بقية لماذا القتل بهذه الوحشية ولماذا ومتى المجتمعات أيضا مدانة إذا الجريمة قام بها فرد منها
وكيف يمكن الحد من مثل تلك الظواهر حين اتساعها.

د. ليلى الضو سليمان

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.