منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*مابين هرمز وبارا … لحظة ارتباك في ظهر المليشيا* *لؤي اسماعيل مجذوب*

0

*مابين هرمز وبارا … لحظة ارتباك في ظهر المليشيا*

 

*لؤي اسماعيل مجذوب*

 

الحرب ليست ما نراه في البيانات العسكرية، ولا ما يتداول في المنصات، بل ما يحدث بصمت في الخلف… في طرق الإمداد، في المطارات البعيدة، في الطائرات التي تقلع ليلاً، وفي الحدود التي تتحول إلى شرايين حياة أو موت.
لهذا فإن ما يجري الآن في الخليج ليس خبراً بعيداً عن السودان كما قد يتصور البعض، بل حدث له صدى مباشر في قلب هذه الحرب. لأن جزءاً مهماً من قدرة المليشيا على الاستمرار لم يكن يصنع في دارفور ولا في كردفان، بل في مسارات إمداد طويلة تبدأ من الخليج، تمر عبر مطارات وموانئ، ثم تتسلل إلى أفريقيا قبل أن تصل إلى السودان.
هذه الحقيقة يعرفها العسكريون جيداً.
الحرب الطويلة لا تحسمها الشجاعة وحدها، بل تحسمها الشاحنات والطائرات وخزانات الوقود.
والجيش الذي يستطيع أن يقطع نفس خصمه… يربح المعركة ولو بعد حين.
منذ اندلاع المواجهة الكبرى في الخليج، تغير شيء مهم في هذا المشهد. المطارات التي كانت تتحرك فيها الطائرات بهدوء أصبحت تحت تهديد الصواريخ والمسيّرات، والموانئ التي كانت تدير تجارة السلاح والذخائر أصبحت جزءاً من معركة إقليمية أكبر. وعندما تدخل دولة في حرب مباشرة أو شبه مباشرة، فإن أول ما تفعله هو أن تحمي نفسها.
وهنا تبدأ المشكلة بالنسبة للمليشيا.
الدول التي كانت تدير خطوط الإمداد وتوفر الغطاء اللوجستي أصبحت الآن منشغلة بحماية مطاراتها ومنشآتها النفطية وأمنها الداخلي. وهذا يعني ببساطة أن السودان لم يعد في رأس أولوياتها كما كان من قبل.
ليس لأن الحرب هنا انتهت… بل لأن حرباً أكبر اشتعلت هناك.
في الحروب، هذا التحول الصامت يترك أثراً واضحاً في الميدان.
ولهذا ليس من الغريب أن نرى الجيش يستعيد مواقع مهمة في توقيت متقارب. تحرير بارا لم يكن مجرد استعادة مدينة، بل كان كسر قفل في خريطة كردفان. وبارا في ميزان العمليات ليست نقطة عادية، فهي عقدة طرق ومفتاح حركة بين الشمال والغرب. وعندما تسقط هذه العقدة من يد المليشيا، فإن مساحة المناورة أمامها تضيق.
لكن القراءة السطحية قد تقود إلى استنتاج خاطئ.
كثرة الهجمات بالمسيّرات هذه الأيام لا تعني بالضرورة أن المليشيا أقوى، بل قد تعني أنها تحاول أن تعوض شيئاً فقدته على الأرض.
القوة التي تتراجع في السيطرة الميدانية كثيراً ما تلجأ إلى ضربات بعيدة لإرباك المدن وإشغال الجيش وإرباك الجبهة الداخلية.
المسيّرة سلاح ذكي في هذا النوع من الحروب. رخيصة، سهلة النقل، ولا تحتاج إلى خطوط إمداد ضخمة. يمكن إطلاقها من فرق صغيرة، ويمكن استخدامها لإيصال رسالة سياسية أو نفسية حتى لو لم تحقق أثراً عسكرياً كبيراً.
لذلك فإن كثافة الهجمات لا تعني أن خطوط الإمداد مفتوحة بالكامل، بل قد تعني أن المليشيا تحاول أن تظهر أنها ما زالت قادرة على الضرب رغم تضييق الخناق عليها.
الحرب الآن دخلت مرحلة مختلفة.
ليست مرحلة الحسم الكامل بعد، لكنها أيضاً لم تعد المرحلة التي كانت فيها المليشيا تتحرك بحرية واسعة كما كان الحال في بداية الصراع. هناك شيء يتغير ببطء في ميزان القوى، والجيش بدأ يلتقط هذا التغير في بعض الجبهات.
لكن الفرص في الحروب لا تبقى مفتوحة طويلاً.
انشغال القوى الداعمة للمليشيا بصراع إقليمي يمنح الجيش نافذة عملياتية مهمة، لكنها نافذة زمنية وليست واقعاً دائماً. إذا استُثمرت جيداً يمكن أن تتحول إلى سلسلة من الانتصارات المتراكمة، وإذا ضاعت ستعود الحرب إلى حالة الاستنزاف الطويل.
الواقع العسكري يقول إن المليشيا ما زالت قادرة على القتال والإيذاء، لكنها لم تعد تتحرك بنفس العمق اللوجستي الذي كانت تعتمد عليه من قبل.
وهذا الفارق، مهما بدا صغيراً، هو الفارق الذي يغير مصير الحروب.
الحرب في السودان لم تحسم بعد… لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً.
حين اشتعل الخليج… لم تعد خطوط المليشيا تعمل كما كانت.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.