*د. المعز إبراهيم الهادي يكتب :* *المستشار ان أمجد فريد وحسن إسماعيل*
*د. المعز إبراهيم الهادي يكتب :*
*المستشار ان أمجد فريد وحسن إسماعيل*

الكاتب :
المحاضر – سابقاً – في كلية القانون بجامعة الخرطوم
قرأت قبل أيام مقالاً بعنوان “المساومات التاريخية والتفهُم الاستراتيجي” كتبه الدكتور التجاني عبد القادر حامد أستاذ العلوم السياسية السابق بجامعة الخرطوم..
يبدو أن المقال قديم ، تحدث فيه الكاتب عن لقاءات جمعته – والصحفي عبد المحمود الكرنكي – بمجموعة من كبار السياسيين السودانيين في سبعينيات القرن الماضي ، من بينهم الأستاذ أحمد خير المحامي مؤسس مؤتمر الخريجين ، والدكتور مبارك الفاضل شداد رئيس الجمعية التأسيسية ، والأستاذ عبد الرحمن النور المحامي مستشار السيد عبد الرحمن المهدي ، والسفير عبد الكريم ميرغني وزير التجارة في حكومة أكتوبر ووزير التخطيط في حكومة مايو الأولى ، والسيد مأمون بحيري محافظ بنك السودان في عهد الفريق إبراهيم عبود..
عن لقاءهما بالأستاذ أحمد خير المحامي يقول الكاتب بأن الرجل كان شجاعاً في إنتقاد نفسه لقبوله منصب وزير الخارجية في حكومة الفريق عبود برغم دفاعه عن الديموقراطية ، معترفاً بإزدواجية مِعياره وأنانيته مبرراً ذلك بأنه شأن معظم المثقفين السودانيين – فهم يقولون الشئ ويفعلون نقيضه!..
امّا الدكتور مبارك الفاضل شداد فكان – بحسب وصف الكاتب – رجلاً جم الأدب ظاهر الأناقة قليل الكلام ، ذو شخصية مغايرة للأستاذ أحمد خير ، صعب أن تستخلص منه أفكاره او تعرف منه توجهاته ، وقد عبّر الكاتب عن استغرابه كيف يجمع الحزب الإتحادي في صفوفه هاتين الشخصيتين المتناقضتين..
امّا الأستاذ عبد الرحمن النور المحامي فكان الحديث يتدفق منه سواء بسؤال او بغير سؤال ، فهو يحكي تارة عن الماضي وتارة عن أشياء عفى عليها الزمن لكنها حاضرة في ذهنه لكأنه يقرأها من على صفحة كتاب أمامه ، وكلما سرد قصة ظهرت فيها بطولته وتجلّت فيها مكانته وكشف فيها عن معنى شخصيته “دخلت على السيد عبد الرحمن المهدي بعد فشل حزب الأمة في الإنتخابات ، وما من أحد كان يستطيع الدخول إليه غيري”..!
امّا السفير عبد الكريم ميرغني فكان يختلف عن الآخرين من حيث أسلوبه في الكلام ودقة اختياره لألفاظه وحذره في إطلاق رأيه ، كما لم يكن متحمساً للحديث عن الإقتصاد ولا عن تجربته السياسية ولا حتى عن علاقته بانقلاب الشيوعيين عام 1971 الذي كان مرشحاً ليكون وزير خارجيته ، فقد زهد الرجل في الحياة العامة وكان يخصص وقته للحديث عن الإستعمار الجديد وقضايا العالم الثالث ، كما كان منشغلاً بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية..
امّا السيد مأمون بحيري ، فكان متحدثاً منفتحاً ليبرالياً في طريقة حياته وتصوراته ، فقبل بدأ الحوار دعا زوجته إلى الجلوس بجانبه ونادى بنته الدكتورة هند ذات التوجه الإسلامي (تزوجها فيما بعد الدكتور عبد الحليم المتعافي) لتأتيه ببعض الكتب عن الإقتصاد الإسلامي الذي كان لا يراه حقيقة يمكن تطبيقها ، برغم هذا اُعجب الكاتب بهذه الأسرة أيما إعجاب ، فرأى فيها الحرية تتجلّى باحترام الزوج للزوجة وتقدير الأب للبنت برغم أنها على نقيض توجهاته واطروحاته..
يقول الكاتب أن الغرض من هذه اللقاءات وما تخللها من حوارات كان هو البحث عن القيم الإنسانية المشتركة والأفكار الوطنية الجامعة التي تقدم الوطن للأمام..
وكانت محصّلتها أن الصورة التي يرسمها الإنسان في مخيلته عن الآخر المُخالِفهُ الرأي قد لا تكون حقيقية ، وأنه كلما اقترب الشخص من هذا المخالف وحاول أن يتفهم موقفه كلما اقتربت الشُقّة المُتصورّة واتسع الطريق الذي في الوسط..
واللافت في حديث الدكتور التجاني – وهو من الإسلاميين – أنه قد استقرت في نفسه من بعد تلك الحوارات حقيقة ثابتة وهي الاّ أحد منّا يستطيع أن يدّعي إمتلاك الحقيقة المطلقة ، مضيفاً بأننا في الواقع لا نملك غير وطن واحد ، فعلينا أن نراعيه وأن نتعلم كيف نعيش فيه بكل ما يظهر من اختلاف طبائعنا او سيطرة هواجسنا..
سردت هذه المقدمة الطويلة في محاولة لإعادة إنتاج هذا المقال ، ولأقول للفريق البرهان حسناً فعلت بتعيين الدكتور أمجد فريد والأستاذ حسن إسماعيل مستشارين لك ، فبرغم ما قد يبدو من تعارض في أفكارهما الاّ أنه تعارض مصطنع ومتصنّع ، فما يجمع بينهما أكبر من شتات أفكارهما او ضيق توجهاتهما او تصوراتهما للحياة..
وبرغم أن أمجد فريد يبدو أكثر جرأة من حسن إسماعيل ، وأكثر تصالحاً مع نفسه فهو قد عمل مع عبد الله حمدوك ومجموعته لكنه كان جريئاً فنبذهم ثم تركهم في سكرتهم يعمهون ، امّا حسن إسماعيل فقد دافع عن أخطاء كانت ظاهرة ومكشوفة في حكومة البشير ، لكن الرجلين هما بلا شك مكسب كبير ، هذا برغم إختلافي مع ما يمثلاه وتحفظي على بعض ما يعرضاه..
الأهم أن تبقى القوات المسلحة حامية للوطن وحارسة له ومدافعة عنه ومتصدّرة لشأنه ويلتف من حولها أصحاب الضمائر الحيّة من الوطنيين الصالحين المقبولين أصحاب المواقف الثابتة والرؤى الواضحة والنهج المستقيم ليكون هذا هو أساس الحكم خلال الفترة المقبلة وبه تُدار الوزارة ، وبه تكون أمانة الإستشارة..
