*رسالة من أهل السودان إلى أبي الطيب المتنبي* *عادل عسوم*
*رسالة من أهل السودان إلى أبي الطيب المتنبي*
*عادل عسوم*
خاطرة العيد، وتمامة خواطري الرمضانية (1447).ََ

لكأني بأبي الطيب المتنبي يخاطب وجدان أهل السودان بين يدي أعياد مضت ويقول:
عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.
نعم لقد انصرمت سنوات عصيبة علينا يا أبا الطيب، سنوات مرت على عاصمتنا وهي تحت الاحتلال، وكانت بيوت الناس وأعيانهم المدنية يسكنها الملاقيط، وظلت أعين الناس وأمنياتهم -وهم في أصقاع النزوح واللجوء- تتساءل:
ياترى هل يأتينا العيد وقد عدنا لعاصمتنا وولاياتنا وبيوتنا؟ أم يظل الحال كما هو؟ والخونة من قحط يجوبون عواصم الغرب يساندون الملاقيط ويدعون إلى حظر الطيران عن عاصمة السودان وقد باعوا أنفسهم إلى دويلة جاحدة أسهم في صنعها أهل السودان؟!
بحمد الله يا ابا الطيب عيدنا اليوم جد مختلف، فقد تم تحرير العاصمة بتوفيق الله وعزم جيشنا ومن خرج يقاتل معه، وتم تحرير غالب الولايات، ولم يبق إلا القليل ليكتمل النصر المبين بإذن الله، وسيهل علينا العيد أن شاء الله بحال مختلف وتجديد، وانقلب السحر على الساحر، وعاد الكيد إلى نحر الكائدين ولاشماتة، وشرع الفئام يعضون أصابع الندم وسيموتون بغيظهم ان شاء الله،
وسيبقى أهل السودان مستعصمون بدين الله يا أبا الطيب المتنبي، إذ لهم في الله ظن لايخيب، وهاهم يستقبلون العيد بالفرح، ويعلمون بأن الإسلام دين يدعو للفرح والسرور، يبتسمون برغم الألم، وبرغم الفقد، وبرغم الجراحات ومكابدة الحياة خلال رحلة نزوح ولجوء صعبة، لقد قرأوا القرآن ووجدوا العشرات من الآيات تدعو وتحث المسلم إلى الفرح بحسبانه موئل للطاعة، وسبب مهم لنيل رضوان الله، ويعلمون بأن الله جعل الإبتسامة في وجوه الناس صدقة، وجعل سرور تدخله إلى قلب مسلم من أحب الأعمال إلى الله، وجعل جبر الخواطر مدعاة لحب الله ورضاه، وجعل السعي في حاجة الناس يفضي بفاعله إلى الاستظلال بظل الله يوم لاظل إلا ظله…
اتذكر زوج جدي لأبي رحمهما الله وهي تمنع شقيقي الأصغر عن البكاء ليلة العيد قائلة:
ياولدي ما تبكي عشان مايعود علينا العيد بالدموع!
إنه الارث السوداني المتشرب بمفاهيم الدين الجميلة…
والعهد بأهل السودان دوما التحامل على النفس، والصبر على العنت، والتسامي على الجراحات، يرسمون الابتسامات رسما، ويختلقون السرور اختلاقا، كيف لا وهم يتغنى مغنيهم قائلا:
ورا البسمات كتمت دموع
بكيت من غير تحس بيا.
إنها ثقافة هذا الدين الحي الذي يجعل مشاعر الفرح مندوحة لطاعة الله.
إن هذا الدين يدعو إلى الاقبال على الحياة، دين يوسع من مساحة الفرح وان أرخى الحزن سدوله على الفضاءات.
يقول العالمانيون بأن طاعة الله في كل الأديان يغلب عليها التعسير لا التيسير، وانها مرهونة برهق أداء الشعائر، ويكتنفها تعب البحث عن الحِلْ والحرمة وفي ذلك تقييد وحجر على الحرية، وبالطبع قد يصح ذلك في أديان ومناهج تضررت بتغول البشر على أصولها، لكنهم إن درسوا الإسلام وتبينوه لوجدوه بغير ذلك تماما…
لقد كان ذلك مثار نقاش بيني وبين أحد رؤساء الأقسام في شركة ألمانية اسمها Western Research، مقرها مدينة صغيرة لا تبعد كثيرا عن فرانكفورت إسمها إدًر سايم، اعتدت زيارة هذه الشركة كثيرا، فتوثقت علاقتي بجل موظفيها، والرجل إسمه ك. هاناماير، اجتمعنا يوما على مائدة العشاء في مطعم بالجوار بمعية ألمان من منسوبي الشركة، وللرجل احترام كبير تبينته في تعامل كل منسوبي الشركة معه، وعلمت أيضا بأنه يشغل موقعا مرموقا في الكنيسة، وقد كان يملأه كره غريب للإسلام!، ولحسن حظي بدأ نقاشنا بخبر عن انتحار لشاب في الليلة السابقة، وهذا الشاب عمل لفترة في ذات الشركة ويعرفه موظفوها.
شرع هاناماير في الحديث عن الإسلام بكونه دين دموي لايدعو إلى الإقبال على الحياة، وبينه وبين الفرح ورفاه النفس البشرية بعد المشرقين!
فرددت عليه قائلا:
أترى الشاب الذي انتحر، هل عليه عقوبة لو قدر لانتحاره أن لا ينجح؟
– لا بالطبع.
– لماذا؟
– لأنه حر، ومن حقه فعل ما يشاء طالما هذه رغبته ولم يسع للإضرار بسواه.
قلت له:
– هل تعلم أن الإسلام يحرص- بل يلزمنا- بحفظ خمس أشياء يسميها (الكليات) أو الأصول أو الضرورات الخمس، وهي (النفس، والعقل، والنسل، والمال، والدين)، وكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. والحفاظ على هذه الأصول من أسباب استقامة مصالح الدنيا والعباد، ويكون الحفاظ على النفس والعقل بعدم فعل اشياء أثبت العلم ضررها، ومن ذلك تعاطي المخدرات وشرب الخمر، وغير ذلك من الموبقات، ويحاسب المسلم إن سعى إلى فعل ذلك أو تسبّب في اهلاك نفسه.
رد الرجل قائلا:
– أليس في ذلك حجر على الحريات؟
– الإسلام لاينظر للنفس البشرية بأنها ملك لصاحبها، بل هي ملك لخالقها، ومن يضر بعقله أو نفسه كأنما أضر بنفس بشرية أخرى.
ثم قلت له:
– ألا تسعى الدولة هنا في المانيا إلى منع الأبوين من الإضرار بطفلهما ويسمى ذلك بالانجليزية بالChild abuse، فتعاقبهما ان سعيا إلى التسبب في الإضرار به؟.
تشاغل الرجل بمافي يده ثم سعى إلى تحويل مسار النقاش قائلا:
– لكن الاسلام انتشر بحد السيف وارغام الناس؟!
رددت عليه:
لان جاء الاسلام لينشر بالسيف؛ لماذا نجد العديد من البلدان التي فتحها قد بقي العديد من أهلها على دينهم؟!
كالأقباط في مصر مثلا، والعديد من المسيحيين واليهود في جل الدول التي دخلتها جيوش المسلمين؟!
ثم ذكرته بأن المسلمين الأول ظلوا يعذبون في رمضاء مكة لسنوات وحينها لم يكن الله قد أذن لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال -حتى- دفاعا عن أولئك، فمات عدد منهم بسبب التعذيب، وبعد الإيذان من الله بالقتال وجدوا انفسهم وسط قبائل وشعوب وحضارتين وكلهم محدقون بالإسلام وأهله، وكانت الحرب معهودة في تلك الأزمان، وطلبت منه قراءة ماذا كتب المسلم الفرنسي الدكتور روجيه/ رجاء جارودي رحمه الله عن أدب القتال في الإسلام، وماذا كانت تفعل جيوش المسلمين خلال قتالها ائتمارا بدينها من عدم قتل لكبار سن او امرأة أو طفل، وعدم تعذيب للأسرى في وقت لم تسن فيه قوانيين لأمم متحدة ولا هيئة أمم!…
ثم تطرق الرجل إلى نهج الإسلام في الميراث باعتباره ظالم للمرأة كما يراه، وبأنه يؤدي إلى تركيز المال في أيدي الرجال، وبالتالي يكون ذلك سببا لتعاسة النساء.
رددت عليه بأن أصل النظرية الاقتصادية في الإسلام أن لايكون المال (دُوْلَة) في يد فئة ما، لذلك حرم الربا، وشرع الله الميراث بحيث يزداد نصيب الوارث بناء على كونه مستقبل للحياة لا مدبر منها، وبذلك يقل نصيب المستدبر لها، ومن هنا كان تقديم الإبن على الأب، وقد يقول قائل كيف يقدم ابن الميت على أب الميت والأب هو صاحب الفضل على ابنه وليس العكس؟!، وصاحب الفضل أولى ممن لا فضل له؟!، والرد على ذلك أن الابن ادعى للإقبال على الحياة لصغر سنه بعكس الأب. ثم جاءت النصوص المتعددة في الإسلام تحث على البر بالوالدين وحسن التعامل معهما، ووجوب البر بهما عند كبر سنهما ومرضهما، وعن المرأة أوضحت له تفاصيل القوامة وإلزام الرجل بالصرف على الأسرة وان كانت الزوجة غنية.
وكانت معنا مسؤلة إدارية ستينية لم تشارك في النقاش، لكنها كانت تتابعنا بحرص شديد، وهي بطبعها هادئة الطبع وصَمُوتَة، قالت لي بعد انقضاء الاسابيع الثلاثة وخلال وداعي لبعض الموظفين المباشرين كل على حدة في مكاتبهم؛ قالت بصدق بدا لي من وجهها انها استفادت كثيرا من نقاشي مع هاناماير، وأنها مهتمة كثيرا بالإسلام منذ سنوات، وبحمد الله هداها الله للإسلام بعد ذلك بعام على يد امام مسجد من اصول عراقية.
ها هو العيد يقبل علينا ان شاء الله والشهر الفضيل يلملم اطراف ثوبه الأبيض الناصع البياض مؤذنا بالرحيل،
والعيد موسم لطاعة الله بالفرح، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا في يوم عيد، فاطلعت من فوق عاتقه، فطأطأ لي منكبيه، فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت).
متفق عليه
وقال ابن القيم رحمه الله؛ كان صلى الله عليه وآله وسلم يلبس لهما أجمل ثيابه، وكانت له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يغتسل للعيدين.
والعيد حري به أن يكون مناسبة لإنهاء الخصومات بين الناس، فخير المتخاصمين من يبدأ رفيقه بالسلام، ولعل الحال الآن أنسب لذلك لانتفاء اللقاء المباشر بسبب هذه الجائحة، فيمكن للمتخاصمين التواصل بالوسائط والصوت عوضا عن الاضطرار إلى اللقاء وجها لوجه، وإثم الخصومة يزداد ويعظم أكثر عندما يحدث بين الأرحام ويطول، فقد عدّ الإسلام صلة الرحم بالواجبة، وحرّم القطيعة وجعلها من الكبائر التي تُدخل صاحبها النار، بل وصل الأمر إلى أنَّ من وصل رحمه وصله الله ومن قطع رحمه قطعه الله!.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}النساء1.
كم ينسى الرجال أخوات وشقيقات بمدعاة أنهن أصبحن في عصمة رجال آخرين، وقد يكون للزوجات هداهن الله بصمة في انقطاع الأشقاء عن شقياتهم، فلنتذكرهن يااحباب، فكم فيهن النبيلات اللاتي تحسبهن أغنياء من التعفف كما قال ربنا.
وللوالدين حق علينا أحياء كانا أم أمواتا، فكم يضار البعض منا في الدنيا قبل الآخرة بسبب عقه لهما دون أن ينتبه.
واختم بالتذكير بزكاة الفطر، فهي طهرة للصائم، وفيها جبر للخلل الذي وقع في صومنا كما يجبر سجود السهو الخلل الواقع في الصلاة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين. من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).
وادعوكم ونفسي لصيام ست من شوال فإن صيامها من بعد صيام يعدل أجر صيام الظهر كما قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
اللهم بلغنا العيد واعده علينا بالسرور والرضا وتفريج الكربات وتحقيق الأمنيات، سنين عديدة وأزمنة مديدة.
اللهم احفظنا بحفظك ومن نعول بفضلك وعونك، واكتب وأدم علينا الأفراح دوما ياقادر ويارحمن يارحيم، وأكتب النظر ألعاجل المؤزر لجيش السودان وكل من يقاتل معه، واجمع قلوب اهل السودان على الحب والوئام.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وآله عدد ما سبح لك من حي وجماد.
كل عام وأنتم بخير، وجعل الله كل أيامنا أعيادا بحوله ومنه وكرمه.
adilassoom@gmail.com
