منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*القطاع الأول للإحتياطي المركزي .. رئة أمدرمان الكبرى في الحرب* *الشاذلي حامد المادح*

0

*القطاع الأول للإحتياطي المركزي .. رئة أمدرمان الكبرى في الحرب*

 

*الشاذلي حامد المادح*

في خارطة المواجهة بقلب أمدرمان الكبرى و تحديداً في وسطها العملياتي ، يبرز القطاع الأول لقوات الإحتياطي المركزي ليس كمنشأة شرطية فحسب ، بل كضرورة إستراتيجية قصوى حسمت الكثير من مسارات الحرب . يمثل هذا الموقع (بوابة أمدرمان الكبرى) و حائط الصد المنيع أمام محاولات الزحف القادم من الجهات الجنوبية و الغربية ، حيث تشرف جغرافيته التكتيكية على عقدة مواصلات حيوية تربط أطراف المدينة بعمقها ، و هو ما جعل السيطرة عليه (الهدف الإستراتيجي الأول) للمليشيا لقطع أوصال التواصل العسكري .

 

*قوس الدفاع التبادلي .. عبقرية التكامل الميداني*

لم يكن صمود القطاع عملاً منعزلاً ، بل كان جزءاً من عملية تنسيقية عسكرية مشتركة ، أجهضت مخططات حصار سلاح المهندسين .. لقد شكل الطرفان ما يمكن تسميته بـ (قوس الدفاع التبادلي) فبينما كانت نيران القطاع الأول تحمي ظهر المهندسين من محاولات الإلتفاف شمالا و غربا ، كانت مدفعية المهندسين توفر مظلة نارية كثيفة للقطاع لصد الموجات البشرية الإنتحارية التي كانت تستهدف القطاع .. هذا التكامل حوّل القطاع إلى حصن إستراتيجي منع تحول وسط أمدرمان إلى ساحة مفتوحة للتمدد شمالاً نحو منطقة كرري العسكرية .

*إختبار الإرادة .. 300 يوم من الحصار المطبق*

تحت حصار خانق تجاوز الثلاثمائة يوم ، لم يضعف الصمود و لم يتزحزح اليقين .. كانت الحياة داخل أسوار القطاع تدار بدقة متناهية ، حيث يبدأ الإستعداد القتالي قبل الفجر ، و توزع المهام بين المرابطين في السواتر و قوات رد الفعل السريع التي لا تفارق سلاحها لحظة .
في مواجهة (ضغط الندرة) ، تجلت صرامة القيادة في تقنين الموارد ، حيث تم الإعتماد على (النواشف) في الوجبات و إستخراج المياه من أبار داخلية حفروها لتروى ظمأهم ، و تعينهم على (شاي الصباح) المصنوع على الحطب كطقس لرفع الروح المعنوية .. و عندما بلغت الشدة ذروتها ، كان (الإمداد من السماء) هو الحل ، حيث نفذ سلاح الجو عمليات إسقاط مظلي دقيقة للذخيرة و المحاليل الطبية ، لتتحول ساحة القطاع داخل معسكرهم إلى رئة تتنفس عبرها القوة المحاصرة و تواصل صمودها الأسطوري .

 

*معجزة السواتر .. ابتكار الحلول*

من العدم .. إجترح الكادر الطبي معجزة المستشفى الميداني ، حيث أُجريت العملياتية الجراحية الكبرى تحت ضوء الكشافات اليدوية و على وقع الإنفجارات ، في ملحمة تجلت فيها روح الجسد الواحد بتسابق الجنود للتبرع بدمائهم لرفاقهم .
و لم يتوقف الإبداع على الكادر الطبى ، بل إمتد للفنيين الذين أداروا (معركة التدوير) بإصلاح الأليات المتضررة بإستخدام قطع غيار استُخلصت من ركام السيارات المعطلة و المحطمة ، لتبقى القوة الضاربة في جاهزية كاملة .. و بين هذا و ذاك ، كانت صلاة الجماعة و المساجلات الشعرية تكسر حدة التوتر ، وصولاً إلى القرار الأكثر قدسية و رمزية بدفن الشهداء داخل الأسوار ، لتتحول تلك القبور إلى (مزارات للثبات) و عهداً معقوداً بالدم ألا يسقط الموقع أبداً .

*المحطات الفاصلة .. تحطيم الموجات البشرية*

إعتمدت نخبة الإحتياطي إستراتيجية الدفاع العميق ، عبر شبكة خنادق شلت حركة (التاتشرات) ، و تقسيم المعسكر إلى مربعات قتالية مستقلة . هذا الإعداد الهندسي حول الموقع إلى (منطقة قتل) إمتصت أكثر من (12) هجوماً واسعاً و أحبطت ما يقارب (150) محاولة تسلل هجوما متوسطا .
و يمكن رصد ثلاث محطات مفصلية في تاريخ هذا الصمود :

* معركة الزحف الكبير : و التي دُمر فيها النسق الأول للمهاجمين بأكثر من (60) عربة قتالية .
* معركة الحصار المطبق : التي حسمتها قوات العمل الخاص بتطهير البنايات المحيطة من القناصة .
* معركة الإلتحام الكبير (فبراير 2024) : حين إنقضت قوة القطاع في هجوم مضاد لتلتقي بطلائع الجيش القادمة من شمال أمدرمان ، مؤمنةً ظهر سلاح المهندسين و جامعة أمدرمان الإسلامية و السلاح الطبي .

*الزحف خارج الأسوار .. من الدفاع إلى الهجوم*

لم يكتفِ القطاع الأول بالدفاع ، بل تحول إلى (رأس رمح) و قاعدة إنطلاق قتالية . انطلقت من قلبه مجموعات (العمل الخاص) لتطهير أحياء أمدرمان القديمة ، و تحول المعسكر إلى مركز استخبارات متقدم يرصد تحركات العدو في مناطق (العرضة ، حمد النيل و أمبدة). و في لحظة الحسم ، أطبق فكي الكماشة مع قوات (كرري) ، ليعيد صياغة وسط أمدرمان من منطقة تهديد إلى منطقة سيطرة كاملة وفرت غطاءا لتقدم القوات نحو الإلتحام الكبير مع جيش المهندسين .

*الخاتمة .. صدورٌهم هي الأسوار*

لقد تعرض القطاع الأول لحربٍ نفسية شرسة ، فبينما كان إعلام المليشيا يعلن سقوطه زيفاً لأكثر من عشر مرات ، كان القادة و الجنود يظهرون ميدانياً لدحض الشائعات .. إن تضحيات أبطال (المسافة صفر) و الجرحى الذين رفضوا الإخلاء رغم بتر الأطراف ، أثبتت أن جدران المعسكر لم تكن هي الحامية ، بل صدور الرجال هي الأسوار الحقيقية .
يظل العلم السوداني المرفوع فوق سارية القطاع الأول طوال أيام الحصار شاهداً على حصنٍ أعاد صياغة العقيدة القتالية للشرطة ، و برهاناً ساطعاً على أن مؤسسة الشرطة تظل رقماً حاسماً في معادلة الدفاع الوطني و رئةً لا تقبل التوقف عن ضخ الكرامة في جسد الوطن .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.