منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*خواطر قلم 194* دكتور مهندس سامي السر ابو زينب يكتب :  جولة في كتاب *”Why God Won’t Go Away: Brain Science and the Biology of Belief”* للدكتور أندرو نيوبيرج، *لماذا الإله لن يختفي: عندما يلتقي الدماغ بالمعنى*

0

*خواطر قلم 194*

دكتور مهندس سامي السر ابو زينب يكتب :

جولة في كتاب
*”Why God Won’t Go Away: Brain Science and the Biology of Belief”*
للدكتور أندرو نيوبيرج،
*لماذا الإله لن يختفي: عندما يلتقي الدماغ بالمعنى*

 

 

الأفكار في هذه المقال للكتاب
والعهدة عليه
منذ فجر التاريخ والإنسان يرفع عينيه للسماء. بنى المعابد، نحت الأصنام، كتب النصوص المقدسة، وخاض الحروب باسم آلهة لم يرها. ثم جاء عصر العلم. صعدنا للقمر، فككنا الشيفرة الوراثية، وصنعنا الذكاء الاصطناعي. ومع كل قفزة علمية، توقع كثيرون أن فكرة “الإله” ستذبل وتموت. لكنها لم تفعل. بل على العكس، أكثر من 70% من الأمريكيين اليوم يؤكدون إيمانهم بالله. فلماذا لم يذهب؟
هذا السؤال هو جوهر كتاب “Why God Won’t Go Away” لعالم الأعصاب أندرو نيوبيرج. الكتاب لا يدافع عن الدين ولا يهاجمه. بل يفتح جمجمة الإنسان ويسأل: هل الرغبة في الإله شيء تعلمناه من الثقافة، أم شيء وُلد معنا في أسلاك دماغنا؟
*1. ولادة علم جديد: Neurotheology*
نيوبيرج مع زميله يوجين داكيلي يقدمان مجالاً بحثياً جديداً اسمه “علم الأعصاب الديني”. الهدف بسيط وجريء: فهم العلاقة المعقدة بين الروحانية والدماغ باستخدام أدوات العلم الحديث.
الطريقة التي اتبعوها كانت مباشرة. أحضروا رهباناً بوذيين في حالة تأمل عميق، وراهبات فرنسيسكانيات أثناء صلاة مكثفة، وأدخلوهم أجهزة تصوير الدماغ SPECT. النتيجة كانت صادمة: الدماغ يتغير حرفياً أثناء التجربة الدينية. مناطق تضيء وأخرى تخفت. التجربة الروحية ليست “وهماً” من ناحية عصبية، بل حدث بيولوجي قابل للقياس.
*2. دماغك يصنع “الحقيقة”*
أهم فكرة يطرحها الكتاب هي أن “الواقع” الذي تعيشه ليس نسخة طبق الأصل من العالم الخارجي. دماغك يستقبل إشارات كهربائية من حواسك، ثم يفسرها ويبني منها قصة متماسكة تسميها “الحقيقي”.
عندما يخبرك متصوف أنه شعر بـ”الوحدة مع الكون” أو “حضور إلهي”، دماغه يعالج هذه التجربة بنفس الآليات العصبية التي يعالج بها إحساسك بأن الطاولة التي أمامك صلبة وحقيقية. القدرة العصبية للدماغ على تحديد ما هو “حقيقي” يسميها نيوبيرج “لا تقل عن معجزة”.
*إذن السؤال يتغير. بدل أن نسأل “هل الله موجود؟”، نسأل “لماذا دماغنا مصمم لاختبار شيء نسميه الله؟”*

*3. أين يختبئ الله في الدماغ؟*

وجد الباحثون أن مفتاح اللغز يكمن في *الفص الجداري Parietal Lobe*. هذه المنطقة مسؤولة عن إحساسك بحدود جسدك وموقعك في المكان. في الحالات العادية، نشاطها يخبرك: “أنا هنا، والعالم هناك”.
أثناء التأمل العميق والصلاة، نشاط الفص الجداري ينخفض بشدة. النتيجة: الدماغ يفقد القدرة على رسم خط فاصل بين “الذات” و”اللاذات”. هنا تحديداً يشعر الإنسان بالذوبان، بالوحدة، بالاتحاد مع شيء أكبر منه. لغوياً نسميها “تجربة صوفية”. عصبياً هي إغلاق مؤقت لمفتاح الهوية المكانية.
*4. لماذا تطورياً؟ الطقوس والأساطير والبقاء*
الكتاب لا يكتفي بوصف “كيف”، بل يسأل “لماذا”. لماذا التطور احتفظ بهذه الأسلاك؟
*الطقوس*: يرى نيوبيرج أن الطقوس الدينية تخلق بيئة عصبية خاصة بها. الحركة الجماعية، الإيقاع، التكرار. كلها تهدئ الجهاز العصبي، تقلل التوتر، وتخلق شعوراً بالانتماء. المجموعة التي تصلي معاً، تبقى معاً. وهذا ميزة تطورية هائلة.
*الأساطير*: البشر مجبولون بيولوجياً على صنع الأساطير. لماذا؟ لأن الدماغ يكره التناقض والفراغ المعنوي. الأسطورة تحل التوتر الوجودي بقصة. الموت، المعاناة، الظلم، كلها تجد لها مكاناً داخل السرد الديني. هذا يمنح الاستقرار النفسي اللازم للبقاء.
*النشوة*: حتى الربط بين النشوة الدينية والنشوة الجنسية له جذور تطورية. الدوائر العصبية المسؤولة عن المكافأة والارتباط متداخلة. الشعور بالحب الإلهي يحفز نفس مراكز المتعة العميقة التي تضمن استمرار النوع.
*5. السؤال الأخير: صدفة أم تصميم؟*
هنا يصل نيوبيرج إلى الذروة الفلسفية لكتابه. بعد كل هذه البيانات، يطرح السؤال الذي تهرب منه كثيرون:
*هل الدين مجرد نتاج ثانوي للبيولوجيا؟ أم أن الدماغ البشري مُنح بشكل غامض القدرة الفريدة على الوصول ومعرفة الله؟*
الكتاب لا يقدم إجابة قاطعة. وهذا ذكاء منه. هو يبني جسراً بين الإيمان والعقل، بين التصوف والبيانات التجريبية، ثم يتركك أنت على تقرر
ما يرفضه بوضوح هو الاختزال. *فكرة أن الدين مرض أو وهم أو طفولة بشرية يجب أن نتجاوزها تسقط أمام حقيقة أن كبار المتدينين عبر التاريخ كانوا في قمة العطاء والإنجاز الإنساني.*

*6. ماذا يعني هذا لنا اليوم؟*

1. *الصراع بين العلم والدين قد يكون زائفاً*: إذا كانت التجربة الدينية لها أساس عصبي، فهي جزء من الطبيعة التي يدرسها العلم أصلاً.
2. *الإلحاد لن “يحل المشكلة”*: حتى لو اختفت كل الأديان المنظمة غداً، آليات الدماغ التي تنتج الشعور بالمتعالي، بالمعنى، بالوحدة، ستبقى. سيعاد اختراعها بأسماء جديدة.
3. *فهم أنفسنا*: الكتاب دعوة للتواضع. عقولنا محدودة ببيولوجيتها. ما نسميه “عقلاني” و “روحاني” كلاهما يخرجان من نفس الكتلة الرمادية.
*الخلاصة*: “Why God Won’t Go Away” لا يثبت وجود الله ولا ينفيه. ما يثبته هو أن الإنسان كائن ميتافيزيقي بالفطرة. مبرمجون على البحث عن *المعنى*، على كسر حدود الذات، على لمس المطلق. الله لن يختفي، ليس لأن البراهين قوية أو ضعيفة، بل لأن الأسلاك التي تصنع السؤال موصولة فينا أصلاً.
كما تقول الدكتورة مونا ليزا شولتز في تعليقها على الكتاب: هذا الكتاب يبين كيف أن منطقة مفتاحية في دماغنا تربطنا بيولوجياً ببعضنا، بالكون، وبالله. ربما تكون هذه هي المعجزة الحقيقية: أن قطعة لحم وزنها 1.4 كجم قادرة على اختبار الأبدية.
*عن المؤلف*: د. أندرو نيوبيرج طبيب أعصاب أمريكي ومدير الأبحاث في مركز Marcus Institute of Integrative Health بجامعة توماس جيفرسون. يعد رائد مجال “علم الأعصاب الديني” وكرس حياته لتصوير أدمغة المتأملين والمصلين لفهم بيولوجيا الإيمان.
أبو زينب
سامي السر
مهندس دكتور
متخصص في السلوك التنظيمي بالمنشاه الصناعيه وعلى خط الانتاج
خميس مشيط
حب طيب الاسم
الجمعة 14 ذو القعدة 1447
الموافق 1 / 5 / 2026

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.