منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

السماء التي لم نغلقها بعد … هي التي تؤجل نهاية الحرب . لؤي اسماعيل مجذوب 

0

السماء التي لم نغلقها بعد … هي التي تؤجل نهاية الحرب .

 

لؤي اسماعيل مجذوب

 

ليست المسيرات التي عادت لتضرب في أكثر من ولاية مجرد “نشاط عدائي” عابر، ولا هي رد فعل تكتيكي محدود. هذا نمط. والنمط حين يتكرر في توقيت واحد، وعلى مساحات جغرافية متباعدة، فهو يقول شيئاً واحداً: هناك من لا يريد لهذه الحرب أن تُحسم… بل أن تُستنزف.

الهجوم على مطار الخرطوم، وعلى الأبيض، وعلى كنانة، وعلى أطراف بحري وأم درمان، لا يُقرأ كضربات منفصلة. هذه شبكة نيران موزعة بعناية. الهدف ليس التدمير المباشر بقدر ما هو تشتيت القرار العسكري، وإرهاق منظومة الدفاع، وخلق انطباع بأن السماء مفتوحة… حتى لو تم إسقاط أغلب المسيّرات.

هذا ليس هجوماً استباقياً بالمعنى الكلاسيكي، وليس مجرد لفت انتباه. هو الاثنين معاً، لكن بذكاء أعلى:

ضربات محدودة التأثير المادي، عالية التأثير النفسي، موزعة زمنياً ومكانياً، هدفها سحب القوات إلى حالة دفاع دائم، وتأخير أي تحول حاسم نحو الهجوم البري الشامل.

بمعنى أوضح:

هم لا يمنعون الحسم… بل يؤجلونه، ويكلفونه أكثر.

ما يتردد عن أدوار خارجية—سواء عن إثيوبيا أو الإمارات—لا يمكن التعامل معه بالشعارات ولا بالصمت. في الحروب الحديثة، الدعم لا يأتي دائماً عبر إعلان رسمي أو تحالف واضح. يأتي عبر مسارات رمادية:

مهابط غير معلنة، معلومات استخبارية، صور أقمار صناعية، وسلاسل إمداد لا تُرى في نشرات الأخبار.

لكن الخطر الحقيقي هنا ليس فقط في “من يدعم”، بل في كيف تُدار المعركة داخل السودان.

لأن أخطر ما في حرب المسيّرات أنها لا تحتاج إلى جبهة واضحة.

هي تضرب العمق… لتربك السطح.

الرد لا يكون بالصراخ السياسي، ولا بردود فعل انفعالية من نوع “اضرب مطار كذا وكذا”. هذا تفكير يجر الدولة إلى حرب إقليمية مفتوحة دون جاهزية، وهو بالضبط ما قد يريده خصومك.

الرد الحقيقي يبدأ من هنا:

أولاً:

تحويل الدفاع الجوي من رد فعل إلى شبكة استباقية.

ليس فقط إسقاط المسيّرات، بل حرمانها من الوصول أصلاً عبر التشويش الإلكتروني، وتعطيل نظم الملاحة، وبناء مظلة إنذار مبكر حقيقية، لا موسمية.

ثانياً:

تغيير هندسة الانتشار العسكري.

الأهداف الثابتة أصبحت عبئاً. المطارات، المعسكرات، مراكز القيادة… كلها تحتاج إلى إعادة تموضع، تمويه، وتفكيك إلى وحدات أصغر أقل قابلية للاستهداف.

ثالثاً:

فتح معركة “ما قبل الإطلاق”.

المسيّرة لا تولد في السماء. لها نقطة انطلاق، غرفة تحكم، وسلسلة إمداد.

قطع هذه السلسلة—استخبارياً أو عملياتياً—أهم من إسقاط عشرات المسيّرات بعد إطلاقها.

رابعاً:

إدارة الحرب النفسية بوعي، لا بردود فعل.

الشائعة الآن جزء من الضربة.

حين يُقال “ضُرب الرادار” أو “دُمر المطار”، الهدف ليس نقل خبر… بل كسر الثقة.

الصمت الرسمي الطويل يترك الساحة لهذه الرواية.

خامساً:

تحريك الملف دبلوماسياً… لكن بذكاء بارد.

ليس عبر الاتهام العاطفي، بل عبر ملفات موثقة، تُوضع أمام دول لها مصالح في استقرار السودان، خاصة تلك التي استُهدفت استثماراتها بشكل غير مباشر.

العزلة ليست قدراً… لكنها تصبح واقعاً حين لا تُدار المعركة سياسياً.

السودان لا يواجه مجرد مليشيا.

ولا حتى مجرد دعم خارجي.

هو يواجه نمط حرب جديد:

حرب منخفضة الكلفة للخصم، عالية الكلفة على الدولة، مفتوحة زمنياً، وتُدار من خلف ستار.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من وراء هذه المسيّرات؟

بل: هل ما زلنا نقاتل هذه الحرب بعقلية الأمس؟

إذا استمرت المعركة كدفاع عن مواقع، سنخسر الزمن.

وإذا تحولت إلى تفكيك شامل لمنظومة العدو—في الأرض والسماء والمعلومة—يمكن قلب الطاولة.

المعركة لم تعد في الخرطوم وحدها.

هي في كل نقطة يمكن أن تنطلق منها مسيّرة… أو فكرة… أو شائعة.

وهناك، فقط، يبدأ الحسم الحقيقي.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.