منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

حين يصبح العداء برنامجا للحكم الفاتح الشيخ

0

حين يصبح العداء

*برنامجاً للحكم*

الفاتح الشيخ

١. من الطبيعي أن تختلف القوى السياسية حول البرامج والرؤى والوسائل، وأن يتنافس الجميع للوصول إلى السلطة عبر إقناع المواطنين بقدرتهم على إدارة الدولة وتحسين حياتهم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن لمكون سياسي أن يطلب حق حكم دولة كاملة، بينما لا يملك برنامجاً يتجاوز معاداة خصومه السياسيين؟

٢. فالأصل في العمل السياسي أن يكون التنافس حول ما الذي يمكن تقديمه للناس، لا حول من الذي يجب إبعاده من المشهد. والناخب أو المواطن لا يبحث عمن يكره خصومه أكثر، بل عمن يمتلك رؤية أوضح لإدارة الاقتصاد والخدمات والأمن والعلاقات الخارجية.

٣. غير أن بعض التجارب السياسية تنشأ في بيئة الصراع والاستقطاب، فتتحول مع مرور الوقت من مشروع لبناء المستقبل إلى مشروع لمطاردة الماضي. وعندما يحدث ذلك يصبح الخصم السياسي هو القضية المركزية، بينما تتراجع قضايا الدولة إلى المرتبة الثانية.

٤. وخلال سنوات طويلة ظل الخطاب السياسي لبعض القوى قائماً على فكرة واحدة: التخلص من الخصم. ولم يكن السؤال المطروح هو ماذا سنفعل إذا وصلنا إلى السلطة، بل كيف نمنع الآخرين من الوصول إليها أو البقاء فيها.

٥ . لذلك لم يكن مستغرباً أن تظهر أزمة البرنامج فور الوصول إلى مواقع القرار. فالحركات التي تتوحد حول عدو مشترك قد تنجح في إسقاط خصمها، لكنها لا تجد بالضرورة ما يوحدها عند الانتقال إلى مرحلة إدارة الدولة.

٦. فالمعارضة شيء، والحكم شيء آخر. المعارضة تكتفي بالنقد والاعتراض، أما الحكم فيحتاج إلى خطط ومؤسسات وأولويات وقدرة على اتخاذ القرارات وتحمل نتائجها.

٧. ولهذا شهد السودانيون حالة لافتة تمثلت في غياب كثير من مؤسسات الحكم التي كان يفترض أن تشكل العمود الفقري للفترة الانتقالية. فلا مجلس تشريعي اكتمل، ولا مؤسسات رقابية استقرت، ولا بنية دستورية متماسكة تمكنت من أداء دورها بالصورة المطلوبة.

٨. وفي المقابل استحوذت معارك الإقصاء والملاحقة السياسية على مساحة واسعة من الجهد والوقت والاهتمام، وكأن المعركة مع الخصوم أهم من معركة بناء الدولة نفسها.

٩. بل إن كثيراً من الإجراءات الاستثنائية التي اتخذت خلال تلك الفترة عكست هذه العقلية، حيث بدا أن الأولوية ليست لإنشاء مؤسسات مستقرة ودائمة، وإنما لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق موازين القوة الجديدة.

١٠. والأهم من ذلك أن رئيس الوزراء نفسه أقر في أكثر من مناسبة بالصعوبات المرتبطة بغياب البرنامج المتفق عليه بين مكونات الحاضنة السياسية، وهو اعتراف يعكس حجم المعضلة التي واجهت التجربة منذ بداياتها.

١١. وعندما يغيب البرنامج الجامع، تتحول الوزارات بدورها إلى ساحات لتنفيذ أجندات سياسية متفرقة، فتطغى المعارك الأيديولوجية على المهام التنفيذية التي يفترض أن تكون أساس عمل الدولة.

١٢. وقد ظهر ذلك في الجدل الواسع الذي صاحب بعض السياسات المتعلقة بالتعليم والعدل والشؤون الدينية وغيرها، حيث انصرف جزء معتبر من الجهد إلى تصفية آثار الخصوم أو تعديل توجهاتهم أكثر من الانشغال بمعالجة الأزمات اليومية التي تواجه المواطنين.

١٣. وحتى في بعض المواقع السيادية والتنفيذية، برزت تساؤلات حول معايير الاختيار والكفاءة والخبرة، وحول مدى قدرة بعض المكلفين بالمناصب على التعامل مع التحديات الكبيرة التي كانت تواجه البلاد.

١٤. والمشكلة أن الدولة لا تعترف بالشعارات. فالاقتصاد يحتاج إلى إدارة، والخدمات تحتاج إلى تمويل، والأمن يحتاج إلى مؤسسات، والعلاقات الخارجية تحتاج إلى رؤية متوازنة تحفظ المصالح الوطنية.

١٥. ولهذا فإن أي قوة سياسية تجعل خصومها محور مشروعها ستكتشف عاجلاً أم آجلاً أن إسقاط الخصم لا يعني تلقائياً نجاحها في الحكم، وأن إدارة الدولة تتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد الفوز في معركة سياسية.

١٦. فالتاريخ السياسي في مختلف أنحاء العالم يقدم درساً واضحاً: الحركات التي تصل إلى السلطة وهي تحمل برنامجاً لإزالة خصومها فقط، غالباً ما تواجه أزمة عندما تُسأل عن برنامجها للحكم. فالدول تُبنى بالمشروعات والرؤى والمؤسسات، لا بالكراهية السياسية.

١٧. وربما كانت التجربة السودانية من أوضح الأمثلة على هذه الحقيقة؛ إذ أثبتت أن إسقاط الخصم قد يكون أسهل كثيراً من بناء الدولة، وأن النجاح في التعبئة السياسية لا يعني بالضرورة النجاح في الإدارة والحكم.

١٨. لذلك يبقى السؤال قائماً: كيف يمكن لمن عجز عن تقديم برنامج للدولة وهو في السلطة، أن يقنع الناس اليوم بأنه يملك مشروعاً للمستقبل؟ وهل المشكلة كانت في الظروف، أم في غياب الفكرة نفسها منذ البداية؟

١٩. وإذا كانت هناك رسالة يمكن استخلاصها من هذه التجربة، فهي أن القوى السياسية التي وقفت إلى جانب القوات المسلحة مطالبة اليوم بالحفاظ على الرصيد الشعبي الذي اكتسبته من هذا الموقف. فالجماهير التي انحازت إليها لم تفعل ذلك بسبب برامجها السياسية أو تنظيماتها، وإنما لأنها رأت فيها جزءاً من معركة الدفاع عن الدولة ووحدة البلاد.

٢٠. غير أن هذا الرصيد ليس ملكية دائمة لأحد، بل هو رصيد قابل للزيادة والنقصان. فالمواطن الذي عانى القتل والسلب والنهب والحرق والتهجير والنزوح والانتهاكات بمختلف صورها، لا ينتظر من هذه القوى أن تنشغل بمعارك النخب أو إعادة إنتاج الاستقطاب القديم، وإنما ينتظر منها مشروعاً وطنياً يخفف عنه آثار هذه الكارثة ويعيد للدولة قدرتها على القيام بواجباتها.

٢١. ولذلك فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه هذه المجموعات هو أن تسمح للآخرين برسم أولوياتها أو تحديد خصومها أو دفعها إلى تحالفات لا تنسجم مع المزاج العام للسودانيين. كما أن انتظار الرضا من السلطة أو من الخارج لن يصنع لها وزناً سياسياً حقيقياً. فالسلطة لا تحسب حساباً للقوى المتفرقة والمتنازعة، لكنها تضطر للتعامل مع القوى المنظمة التي تمتلك رؤية موحدة وقاعدة اجتماعية واضحة.

٢٢. ولعل ما يستحق التأمل أن القوى الخارجية نفسها، ورغم ما وفرته خلال السنوات الماضية لبعض الأطراف من دعم سياسي وإعلامي ومالي، ورغم ما أحيطت به من رعاية عبر المنظمات الدولية والإقليمية، لم تصل بعد إلى قناعة بأنها تملك مشروعاً قادراً على قيادة السودان أو إدارة دولة بحجم وتعقيد السودان. ولذلك اتجهت إلى فتح قنوات الحوار مع طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية المؤيدة للدولة والجيش، بما فيها التيارات التي ظلت مستبعدة من المشهد لفترات طويلة.

٢٣. وإذا كان الخارج نفسه قد انتهى إلى البحث عن شركاء جدد وحوارات أوسع، فما الذي يمنع القوى الوطنية من التلاقي حول مشروع داخلي يستند إلى الإرادة الشعبية لا إلى الرعاية الخارجية؟ وما الذي يدعو إلى الخوف من اصطفاف وطني عريض، في وقت أثبتت فيه التجربة أن الجماهير السودانية قادرة على التمييز بين من يستمد قوته من شعبه ومن يستمدها من منصات التواصل والدعم القادم من وراء الحدود؟ إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من التشظي، وإنما إلى إرادة سياسية تدرك أن بناء الدولة لا يتم إلا بأيدي أبنائها، وأن المستقبل لا تصنعه الخصومات القديمة، بل تصنعه القدرة على الاتفاق حول مشروع وطني جامع.

تحياتي

الفاتح الشيخ

20 يونيو 2026

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.