عندما يشرب الوالي من كأس الامتياز… ويشرب الشعب من مرارة العطش د. إسماعيل الحكيم
عندما يشرب الوالي من كأس الامتياز… ويشرب الشعب من مرارة العطش
د. إسماعيل الحكيم
إن المال العام ليس غنيمةً تُقتسم بين أصحاب المناصب، ولا هو إرثٌ خاص يُنفق على مظاهر الرفاه، بينما تتآكل حياة المواطنين تحت وطأة الحرب والفقر والحرمان. فالسلطة في جوهرها عهدٌ وأمانة، ومن جلس على كرسي الحكم فقد جلس على حقوق الناس قبل أن يجلس على امتيازات المنصب.
فقد تم تخصيص مبلغ (752,814,000) جنيه تحت بند بدل تذاكر سفر إلى جوهانسبرغ والعودة لصالح والي شمال كردفان وعدد من وزرائه وهم لم يغادروا الولاية قيد أنملة ، نعم .. فإن القضية هنا تتجاوز بنداً مالياً في دفاتر الحكومة، لتصبح قضية ضميرٍ عام، واختباراً حقيقياً لمعنى المسؤولية في زمن الشدائد.
أي مفارقة هذه؟ في الأبيض الصامدة في وجه المسيرات وعين الاستهداف المليشي ، لا يبحث المواطن عن تذكرة سفر، وإنما عن قطرة ماء. ولا يسأل عن مطار، ولكنه عن مستشفى يجد فيه دواءً. لا يفكر في رحلة خارج البلاد، بل في وسيلة مواصلات تعيده إلى منزله بعد أن شلّ الوقود الحركة، وبلغت أسعاره أرقاماً أنهكت الناس وعطلت مصالحهم.
هناك يلهث المواطن خلف جركانة ماء.وهنا والي ووزرائه تصرف لهم مخصصات سفر بمئات الملايين.
هناك في الأحياء تنطفئ الكهرباء في البيوت ويكسوها الظلام ..
وهنا في أمانة الحكومة تضيء امتيازات السلطة طرق أصحاب القرار.
هناك يبيع الأب آخر ما يملك ليشتري علاجاً لطفله.
وهنا تُرصد الأموال لما لا يمثل أولوية في ميزان وطنٍ يئن تحت أثقال الأزمات.
أي ميزان هذا الذي يزن راحة المسؤول بأطنان الذهب، ويزن معاناة المواطن بريشة؟
لقد علّمتنا تجارب الأمم أن الحاكم الحقيقي هو أول من يقتصد إذا ضاقت الأحوال، وأول من يتنازل عن امتيازاته إذا اشتدت المحن، لأن القيادة تضحية قبل أن تكون سلطة، وخدمة قبل أن تكون وجاهة.
أما أن يعيش المسؤول في رغد الامتيازات، بينما يقف الشعب على أبواب العطش والمسغبة، فذلك خلل أخلاقي قبل أن يكون خللاً إدارياً، وانحراف في ترتيب الأولويات قبل أن يكون مجرد قرار مالي.
ثم نسأل: ما هي الحصيلة التي قدمتها حكومة ولاية شمال كردفان حتى تستحق مثل هذه الامتيازات؟ هل انتهت أزمة المياه؟ هل استقرت الكهرباء؟ هل امتلأت الصيدليات بالدواء؟ هل انخفضت أسعار الوقود؟ أم أن المواطن ما زال يدفع وحده فاتورة الحرب، بينما ينعم أصحاب القرار بما لا يجرؤ المواطن حتى على تخيله؟
إن الصمت أمام مثل هذه الوقائع، لا يطعن في حكومة ولاية فحسب، وإنما يهز ثقة الناس في مؤسسات الدولة كلها. فالدولة التي لا تحاسب مسؤوليها، تفتح الباب واسعاً أمام استخفاف آخر بالمال العام، وأمام اتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم.
ومن هنا، فإن الأنظار تتجه إلى رئيس مجلس السيادة وإلى رئيس مجلس الوزراء. فهل ستُفتح أبواب التحقيق بشفافية؟ وهل سيُطلب كشف الحقائق للرأي العام؟ وهل ستُفعَّل قواعد المحاسبة إذا ثبت وقوع تجاوز؟ أم سيمضي الأمر كأن شيئاً لم يكن، ويُترك المواطن ليبتلع مرارة الصمت كما ابتلع مرارة العطش والجوع والغلاء؟
إن كرامة الدولة لا تُصان بالخطب والبيانات ، وإنما تُصان حين يعلم كل مسؤول أن المال العام ليس ملكاً له، وأن المنصب لا يمنحه حق التميز على شعب أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات.
لقد تعب السودانيون من رؤية المسؤولين يطالبون الناس بالصبر، بينما لا يصبرون على امتيازاتهم. وتعبوا من سماع حديث التقشف، بينما لا يظهر أثره إلا في موائد الفقراء، لا في مكاتب أصحاب السلطة.
ويبقى السؤال الذي لن يغيب عن ذاكرة أهل الأبيض، ولن تستطيع أي بيانات أن تطفئ وهجه:
كيف تُنفق مئات الملايين على امتيازات السفر، بينما يقف شعبٌ كامل في طوابير الماء والوقود والدواء؟
ذلك سؤال لا يحتاج إلى خطيبٍ يجيب عنه، ولكن إلى مسؤولٍ يخجل من نفسه قبل أن يخجل من شعبه، وإلى دولةٍ تجعل المحاسبة عنوان هيبتها، والعدالة ميزان بقائها .
