صوت العقل نصب تذكاري وجداريات للشاب أحمد صبري ضياء الدين سيد سمهن
صوت العقل
نصب تذكاري وجداريات للشاب أحمد صبري
ضياء الدين سيد سمهن
ليست كل المجسمات والنصب التذكاريه والجداريات تُشيَّد وتنصب للملوك أو القادة أو أصحاب النفوذ، أو الشهداء وابطال المعارك العسكريه فهناك من يخلدهم التاريخ لأنهم جسّدوا في لحظة واحدة أسمى معاني الإنسانية والشجاعة والتضحية.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشاب أحمد صبري صانع المحتوى ، الذي يستحق أن يُخلَّد بنصب تذكاري وجداريات علي معظم بنايات العاصمه الخرطوم تروي للأجيال قصة إنسان جعل من نفسه رمزًا للعطاء والمسؤولية والتضحيه .
إن إقامة نصب تذكاري لأحمد صبري لا ينبغي أن تُفهم على أنها مجرد عمل معماري أو مجسم من الحجر أو البرونز، بل هي رسالة أخلاقية ووطنية تؤكد أن المجتمعات الحية تحتفي بأبنائها الذين يقدمون نماذج ملهمة في مواجهة المحن، وأن البطولة ليست حكرًا على ساحات القتال، بل قد تتجسد في موقف إنساني صادق أو تضحية نادرة أو عمل بطولي ينقذ الأرواح ويعيد الامل لمن فقدوه في لحظة من اللحظات المظلنه في تاريخ الشعوب، لا تُخلَّد الأسماء فقط لأنها تقلدت المناصب أو امتلكت السلطة، بل لأن أصحابها استطاعوا أن يصنعوا أثرًا في حياة الناس، وأن يمنحوهم الأمل في أصعب اللحظات. ومن هذا المنطلق، فإن الشاب أحمد صبري يستحق أن يُكرَّم، وأن يُقام له نصب تذكاري يخلّد إسهامه في مرحلة من أكثر مراحل السودان قسوة.
عندما كانت الحرب قد أغلقت أبواب الأمل، وسيطر الخوف على قلوب مئات الآلاف من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم، كان الناس يتساءلون: ماذا تبقى من الخرطوم؟ وهل أصبحت مدينة أشباح لا تصلح للحياة؟
في تلك الفترة، برز أحمد صبري كصانع محتوى حمل كاميرته وتجول في أحياء العاصمة المختلفة، موثقًا الواقع كما يراه، وناقلًا صورًا ومشاهد من شوارع الخرطوم وأحيائها وأسواقها، في الوقت الذي عجزت فيه اجهزة الاعلام الرسميه المخليه وحتى العالميه بكل امكانياتها وجيوشها الجراره من المصورين والمراسلين عن ابتعاث فرق تعمس الاوضاع الحقيقيه من داخل الخرطوم بعد تحريرها من المرتزقه وقد أسهمت هذه المقاطع، في نظر كثيرين، في تبديد جانب من الغموض الذي كان يحيط بالأوضاع داخل المدينة، ومنحت عددًا من الأسر قدرًا من الطمأنينة والثقة لاتخاذ قرار العودة.
لم تكن رسالته مجرد تصوير للطرقات والمباني، بل كانت رسالة تقول إن الحياة يمكن أن تعود، وإن الخرطوم، رغم ما أصابها، ما زالت تنتظر أبناءها. وهكذا خول الشاي أحمد منصاته في وسائل التواصل الاجتماعي إلى نوافذ مشرعه للامل، وأصبح المحتوى الذي يقدمه أحد الأصوات التي شجعت الكثيرين على التفكير جديًا في العودة إلى ديارهم.
إن إقامة نصب تذكاري لأحمد صبري ليست دعوة لتقديس الأشخاص وتأليههم حاشا لله ، وإنما هي احتفاء بفكرة جديدة من أفكار البطولة؛ بطولة الكلمة والصورة، وبطولة من يستخدم وسائل الإعلام الحديثة لخدمة وطنه وتعزيز الأمل في نفوس مواطنيه.
لقد أثبتت التجربة أن صانع المحتوى قد يؤدي دورًا يتجاوز الترفيه، ليصبح شريكًا في صناعة الوعي، وإعادة بناء الثقة، والمساهمة في تحريك المجتمع نحو المستقبل. وإذا كانت الأمم تكرم أصحاب الأثر، فإن أحمد صبري يستحق أن يكون اسمه حاضرًا في ذاكرة السودانيين بوصفه أحد الوجوه التي ارتبطت ببدايات عودة الحياة إلى الخرطوم، وأن يكون نصبٌ تذكاري يحمل اسمه رمزًا لمرحلة انتصر فيها الأمل على الخوف، والإرادة على اليأس.
