السودان بين ضبابية الإدارة وتفاقم الأزمات بقلم: حسبو علي بخيت
السودان بين ضبابية الإدارة وتفاقم الأزمات
بقلم✍:
حسبو علي بخيت

في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تزداد تساؤلات المواطنين يوماً بعد يوم حول الكيفية التي تُدار بها الدولة السودانية، وحول الرؤية السياسية والاقتصادية التي تستند إليها مؤسسات الحكم في مواجهة التحديات المتعاظمة التي تهدد حاضر السودان ومستقبله.
فالمشهد العام يوحي بغياب رؤية واضحة ومعلنة بشأن إدارة الأزمة الوطنية، بينما تتراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي أوجد حالة من القلق والإحباط وسط المواطنين الذين أثقلت كاهلهم الحرب، وفقدوا الأرواح والممتلكات ومصادر الدخل، وأصبحوا يواجهون أوضاعاً معيشية بالغة القسوة.
إن من أبسط حقوق الشعب السوداني أن يعرف حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمالية التي تمر بها الدولة، وأن يتم إطلاعه بشفافية كاملة على حجم الإيرادات والنفقات، وخطط إعادة الإعمار، وبرامج معالجة التدهور الاقتصادي، والجهود المبذولة لاستعادة الخدمات الأساسية وحماية العملة الوطنية من الانهيار المستمر.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى عقد مؤتمر صحفي عاجل من قبل مجلس السيادة ومجلس الوزراء والجهات المختصة، يتم خلاله وضع المواطنين أمام الحقائق كاملة دون تجميل أو مواربة، وتوضيح التحديات الراهنة والخطط المستقبلية لمعالجتها. فالصمت في أوقات الأزمات يفتح الباب واسعاً أمام الشائعات ويزيد من حالة عدم اليقين التي تعاني منها البلاد.
وتواجه الدولة السودانية اليوم جملة من المخاطر والمهددات التي لا يمكن التقليل من شأنها. فالتدهور الاقتصادي المتسارع انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين من خلال الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية والدواء والخدمات الأساسية، بينما تتراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة مستمرة، وتتسع دائرة الفقر والعوز.
وفي القطاع الصحي، تعاني المؤسسات العلاجية من نقص حاد في الكوادر والمعدات والأدوية، الأمر الذي جعل الحصول على العلاج يشكل عبئاً كبيراً على المواطنين، خاصة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي خلفتها الحرب.
أما الملف الأمني، فيظل واحداً من أخطر التحديات التي تواجه الدولة. فانتشار السلاح، والانفلات الأمني في بعض المناطق، ووجود عناصر مسلحة داخل المدن، كلها عوامل تهدد الاستقرار المجتمعي وتضعف هيبة الدولة وتعرقل جهود العودة إلى الحياة الطبيعية وإعادة بناء المؤسسات.
إن استمرار هذه الأوضاع دون معالجات واضحة وحاسمة قد يقود إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما إدارة الأمل أيضاً، عبر مصارحة الشعب بالحقائق، ووضع رؤية وطنية متكاملة تتضمن أهدافاً محددة وجداول زمنية واضحة وآليات قابلة للتنفيذ.
لقد قدم الشعب السوداني تضحيات جساماً خلال السنوات الماضية، وهو يستحق أن يكون شريكاً في معرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة، وأن يطلع على الخطط والسياسات التي ترسم مستقبله ومستقبل أبنائه.
إن بناء الثقة بين الدولة والمواطن يبدأ بالشفافية والمكاشفة، وينمو بالعمل الجاد والمسؤول، ويتعزز بوجود قيادة تمتلك رؤية واضحة للمستقبل. وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، تصبح المصارحة الوطنية ضرورة لا ترفاً، وواجباً لا خياراً، إذا أرادت الدولة أن تعبر بالبلاد إلى بر الأمان.
