من ذاكرة المعارك .. الطريق إلى غزة الصمود ================= ✍️ كتب/ حسن البصير
من ذاكرة المعارك ..
الطريق إلى غزة الصمود
=================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️كانت زيارتنا إلى غزة مدينة الصمود ومهد البطولات المحطة الأهم في عمري، إذ أحدثت في داخلي نقلة عظيمة رسّخت يقيني بأن الفداء عقيدة والتضحية حياة. رأيت هناك شعباً بأكمله يعشق الجهاد وينتظر الشهادة ليرتقي إلى مرافئ الجنة عبر الشظايا والرصاص، شعباً وهب نفسه للدفاع نيابة عن الأمة، وكتب بمداد الدم أن إرادته أقوى من جبروت الصهاينة ومن خذلان العرب. وستظل الأمة مدينة لأهل غزة، فقد كانوا حصنها ومجدها في مواجهة ترسانة لا تعرف الرحمة، قتلت وشردت وحاولت سلبهم حقهم في الحياة، فأبت نفوسهم الأبية إلا الصمود والتحدي، رافضين الانكسار والخنوع حماية للأرض وللقدس الشريف.
▪️في العام 2014 سِرنا مع قافلة نصرة السودان لأهل غزة، وفد ضم نخبة من قيادات العمل السياسي والإعلامي والجهادي في السودان. كانت قافلة تجسد معاني التكافل والنصرة لشعب فلسطين وصموده الأسطوري، وهو يقف أعزل إلا من سلاح الإيمان بقضيته. حملنا معنا الحب لأرض الشهداء والأبطال، وعهداً بأننا مع غزة في السراء والضراء حتى ينجلي الظلام.
▪️ترأس القافلة الدكتور قطبي المهدي، واستقبلنا في رفح إخواننا في قيادة حركة حماس. وكانت مصر يومها بقيادة الرئيس الشهيد محمد مرسي، فهيأت لنا قيادتها ممراً آمناً حتى مدينة العريش المصرية، فامتزجت في تلك اللحظات مشاعر الإخاء ودفء الأخوة وصدق الجوار. ومن العريش مضينا إلى حي الشاطئ، حيث مقر إقامة الشهيد البطل إسماعيل هنية رئيس حركة حماس، الذي يمثل أهل غزة وسلطتها في هذه البقعة الطاهرة الصامدة. حدثنا عن السودان ودعمه التاريخي للقضية الفلسطينية، وعن حبه غير المحدود للشعب السوداني، وأكد أن كتائب القسام لن تنسى وقفة السودانيين معهم في وجه بطش الآلة الإسرائيلية والإرهاب الصهيوني الغاشم.
▪️وفي استراحة قصيرة أجريت لقاءً صحفياً مع الرئيس هنية لصحيفة الانتباهة، تحدث فيه عن شهداء غزة وعن الحصار الخانق، وكيف صمدوا وتجاوزوا المحن والابتلاء فمنحهم الله الثبات، وألقى الرعب في قلوب أعدائهم. طلبت منه أن يأذن لبعضنا بزيارة إخواننا المرابطين في خط الدفاع الأول لكتائب القسام، وأن نرابط معهم ليلة واحدة نغبر فيها الأقدام ونتزود بطاقة إيمان لا تنضب، فاستجاب كريماً.
▪️رافقني في تلك الليلة الباردة وشتاء غزة الغارس الأخ المجاهد قيس فضل، والمجاهد محمد عبدالفضيل السني من القضارف، وحاتم أبو سن وآخرون. سرنا عبر أنفاق قادتنا إلى مزارع الزيتون، فوجدنا رجالاً كالشهب ممتلئين حماساً وإيماناً وجهاداً. استقبلونا بحفاوة تليق بالصادقين، ورأينا بأعيننا كيف طوعوا المستحيل فصنعوا سلاحهم وذخيرتهم بأيديهم. سألت أميرهم: أين العدو من هنا؟ فأشار إلى أضواء بعيدة وقال: تلك أنوار “القدس” حيث المسجد الأقصى الذي يدنسه المحتلون. قضينا معهم يوماً وليلة ستبقى في الذاكرة تحكي عن أعظم الليالي وأطهر المشاهد التي تسر القلب وتثبت اليقين بأن النصر مع الصبر.
▪️وفي غزة تيسرت لنا زيارة أسر الشهداء، ومن بينهم أسرة الشهيد الشيخ أحمد ياسين. التقيت أحفاده أطفالاً يشبهونه في العزة والكبرياء، يحدثوننا عن “الشيخ يس” بكل الفخر والشموخ، ويضعون الكرسي المتحرك الذي اغتيل عليه رمزاً يستمدون منه معنى الفداء وقوة الثبات.
وسجلنا زيارة لحي يسمى “السودانية”، وعندما سألنا عن سبب التسمية حدثونا عن بطل سوداني جاء إلى غزة في عام النكبة مدافعاً عن فلسطين، فاستقر به المقام وتزوج وأنجب ذرية تحمل ملامح السودان ولونه، وقد استشهد في إحدى المواجهات مع العدو الإسرائيلي. فازداد يقيننا أن دماءنا واحدة وقضيتنا واحدة، وأن نصرة غزة واجب ووفاء، وأن صمودها اليوم هو صمود الأمة كلها حتى تتحر القدس وتعود
