منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر جثامين مجهولة في عصر “البصمة”: وطن ينسى أبناءه في الثلاجات ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
جثامين مجهولة في عصر “البصمة”: وطن ينسى أبناءه في الثلاجات ..!

تخيل أن تضيء شاشة هاتفك في منتصف الليل، لتطالعك صورةٌ مألوفة أو ملامح تشبه ملامح جار قديم، وتحتها مناشدة تفيض بالوجع: “يوجد جثمان لشاب في ثلاجة مستشفى كذا، نرجو ممن يتعرف عليه التواصل مع ذويه”. في تلك اللحظة بالذات، يخيم صمتٌ ثقيل؛ صمتٌ يجعلك تتساءل في سرك: كيف يمكن لإنسان ولد في هذا الوطن، وحمل رقماً وطنياً، وبصم بأصابعه وجفنيه في سجلات الدولة، أن يغيب فجأة، فلا يجد من يدل عليه إلا منشور غابر في وسائل التواصل الاجتماعي؟

هذا ليس مجرد حديث عن تفاصيل حادث سير أليم أو أزمة صحية طارئة في أرض الغربة، بل هو عن كرامة الإنسان السوداني في لحظة ضعفه الأخير. باختصار شديد، الجوهر الذي يجب أن ننظر إليه بشجاعة هو وجود فجوة حادّة بين ما تعلنه مؤسساتنا عن “الطفرة التقنية” في السجل المدني، وبين الواقع الذي نعيشه حين تقبع جثامين أبنائنا في ثلاجات المستشفيات داخل الوطن وخارجه لأيام وأسابيع، دون أن يستطيع أحدٌ الوصول إلى أسرهم. هذا ليس كلاماً عن الماضي، بل هو عما نخسره اليوم بصمتٍ يُدمي القلوب.

السبب الظاهر الذي يتردد دائماً في المكاتب الرسمية هو أن الضحية لم يكن يحمل أوراقاً ثبوتية، أو أن مستنداته ضاعت أثناء الحادث، أو أنه دخل تلك الدولة المجاورة بطرق غير شرعية. والنتيجة المباشرة لهذه الأعذار هي قلقٌ يحرق أكباد الأمهات في البيوت، وجثامين تنتظر الرحمة، وأسرٌ تعيش في معلقة بين الشك واليقين. لكن ما لا يراه الكثيرون، وما يشكل الجوهر الخفي للأزمة، هو أن المشكلة ليست في غياب البيانات، بل في “عقلية الإدارة”. لقد بنينا سداً من التقنية، لكننا نسينا أن نصل به شبكة الحياة؛ انظر كيف تسللت هذه البيروقراطية القديمة لتجعل التقنية الحديثة مجرد ديكور لا ينفع الناس حين يحتاجونه.

انظر حولك لتفهم المنطق الذي نتحرك به في دواوين الدولة. نحن نعيش في مفارقة عجيبة؛ نجلب أحدث الأجهزة لتقنية البصمة وعين الإنسان، ولكن السلوك الإداري لم يتزحزح قيد أنملة. هذا يشبه تماماً شرطي المرور الذي يتحدث عن الشمول الرقمي والمعاملات الذكية، بينما يصرّ على أن يأخذ رخصة السائق المخالف ويضعها في جيب قميصه! المشكلة ليست في غياب التكنولوجيا، بل في مَن “شبّ على شيء وشاب عليه”. ما الفائدة من سجل مدني يدّعي الوصول إلى القرن الحادي والعشرين، إذا كان لا يستلزم عند استخراج البطاقة إدراج بيانات حية ومفصلة؟ ثلاثة أرقام هواتف إجبارية لأقرب الأقرباء، العنوان بوضوح الحوش والشارع وأقرب معلم رئيسي، ونظام تقني مرتبط بغرف الطوارئ والمستشفيات والقنصليات، يتصل ببصمة الميت أو المغشي عليه في دقائق معدودات ليعيد اسمه إلى أهله بدلاً من انتظار نجدة الخيرين على الفيسبوك؟

يمتد هذا الظل الثقيل إلى سفاراتنا وقنصلياتنا في الخارج. السوداني بطبعه من أكثر شعوب الأرض ارتباطاً بسفارة بلاده، لحاجته الدائمة لمعاملات لا تنتهي، على عكس جنسيات أخرى قد يقضي أحدهم سنوات طويلة في الغربة دون أن يعرف حتى موقع سفارة بلاده. ومع ذلك، حين تقع الفأس في الراس، تنفض بعض القنصليات أيديها بحجة أن المواطن “غير مسجل” أو “دخل بطريقة غير رسمية”. وكأن المواطنة عقدٌ ينفسخ عند حدود الموانئ! إن رعاية المواطن وصون جثمانه واجبٌ لا يسقط أبداً، حتى وإن كان صاحبنا في جحر ضب، لأن الدولة الحقيقية لا تتبرأ من أبنائها لمجرد أنهم حالمون برزقٍ بعيد.

وهكذا، تتجمع كل هذه الخيوط المتناثرة لتشير إلى حقيقة واحدة مرّة: نحن لم نُخفق في امتلاك التقنية، بل أخفقنا في تسخيرها لإحياء نجدة “الفزعة” وتجسيد النخوة في قالب مؤسسي حديث. تركنا الأمر للمناشدات التطوعية، بينما تقف المؤسسات المدججة بالأجهزة المتطورة موقف المتفرج الذي لا يحرك ساكناً.

بعد اخير:

خلاصة القول، إن قيمة أي دولة في العالم لا تُقاس بعدد السيرفرات المخزنة في دواوينها، ولا بحجم الأوراق الرسمية المسكونة بالختوم، بل بالسرعة التي تمد بها يدها لتحمي كرامة أفقر أبنائها حين ينقطع به السبل. حين يرقد مواطنٌ في عتمة ثلاجة الموتى، تنتظر جثته “إعادة نشر” على وسائل التواصل لتتعرف عليه أمه، فإن الخلل ليس في البصمة الرقمية المتطورة، بل في الضمير الإداري الذي يدير الماكينة.

أخيرًا، نحن لا نفقد أبناءنا في الحوادث أو على أرصفة الغربة فقط، بل نفقد شيئاً من أنفسنا في كل مرة نتعامل فيها مع الإنسان كملف يُطوى لمجرد غياب ورقة. وحين تعجز تقنيات الدولة المزعومة عن إعادة ميّتٍ إلى أحضان أهله، يظل الوطن كاملاً هو المفقود في قائمة البحث.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 4 اغسطس 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.