منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

كل مؤسسة عظيمة كانت يومًا ما فكرة في عقل إنسان واحد . ” رالف والدو إمرسون إنسان واحد مبدع .. قد يغيّر أمة ! ✍️السفير/ رشاد فراج الطيب

0

كل مؤسسة عظيمة كانت يومًا ما فكرة في عقل إنسان واحد . “
رالف والدو إمرسون
إنسان واحد مبدع .. قد يغيّر أمة !
✍️السفير/ رشاد فراج الطيب

ليست نهضة الأمم دائمًا نتاج إمكانات ضخمة أو ظروف مثالية ، بل كثيرًا ما تبدأ بفكرة في عقل إنسان واحد آمن بها ، ودافع عنها ، وحولها من حلم شخصي إلى مشروع إنساني .
فالتاريخ لا تصنعه الكثرة الصامتة ، وإنما تصنعه العقول التي تمتلك الشجاعة على التفكير المختلف ، والقدرة على تحويل الأفكار إلى واقع .
لقد أدرك المفكر الجزائري مالك بن نبي أن الحضارات لا تبدأ من وفرة الأشياء ، وإنما من ولادة الأفكار ؛ فالفكرة هي القوة الأولى التي تحرك التاريخ ، ومنها تنشأ المشروعات والمؤسسات وتتشكل إرادة المجتمعات .
وهذا ما يؤكده المؤرخ أرنولد توينبي في حديثه عن “الأقلية المبدعة” التي تقود المجتمعات إلى تجاوز أزماتها عندما تقدم استجابات جديدة لتحديات العصر .
وتشهد الإنسانية على ذلك بأمثلة لا تحصى ؛ فقد غيّر كونفوشيوس منظومة القيم والتعليم في الصين ، وأسس سقراط منهج التفكير النقدي ، وأحدث نيوتن وأينشتاين تحولات كبرى في فهم قوانين الكون ، بينما غيّر غاندي ومانديلا مسار أمم بأكملها بقوة الفكرة والإرادة ، وحول لي كوان يو سنغافورة إلى نموذج عالمي للتنمية ، وأعاد دينغ شياو بينغ رسم مستقبل الصين بإصلاحات تاريخية . وفي مجال التكنولوجيا غيّر ستيف جوبز وبيل غيتس وطليعة المبتكرين علاقة الإنسان بالمعرفة والتقنية والحاسوب .
وفي الحضارة العربية والإسلامية ، كان الفرد المبدع محركًا للنهضة ؛ فالخوارزمي وضع أسس علم الجبر والخوارزميات ، وابن الهيثم أسس المنهج التجريبي ، وابن خلدون قدم نظرية رائدة في العمران والاجتماع ، وابن رشد أعاد تجديد الفكر الفلسفي والعقلي ، وأسهم ابن سينا والرازي وابن حيان في تطوير علوم الطب والكيمياء ، وأسس الإمام الشافعي علم أصول الفقه ، بينما قدم مالك بن نبي ومحمد إقبال والكواكبي ومحمد عبده والبنا رؤى إصلاحية أثرت في الفكر الحديث .
إن الإسلام في جوهره دين يحفز العقل والمعرفة ؛ فقد دعا إلى التدبر والتفكر ، وأرسى مبدأ الشورى ، وحث على سؤال أهل العلم والخبرة : ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ، وقرر قيمة التخصص والخبرة : ﴿ولا ينبؤك مثل خبير﴾ .
كما جعل تقديم الأفقه والأعلم مبدأً واضحًا حتى في إمامة الصلاة ، ونهى عن كتمان العلم ، لأن المعرفة مسؤولية وأمانة ووسيلة لإعمار الأرض .
غير أن الفرد المبدع لا يزدهر وحده قطعا ؛ فهو يحتاج إلى بيئة حاضنة ، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأمم هو بناء الدولة ” المُمكِّنة للإبداع ” ؛ الدولة التي تجعل المعرفة أساسًا للتنمية ، وتنشئ مراكز البحث والدراسات والتفكير لتكون عقلها الاستراتيجي ومنصات لدعم القرار ، وتطور المناهج التعليمية من الحفظ والتلقين إلى التفكير النقدي والابتكار وحل المشكلات ، وتفتح المجال أمام المفكرين والعلماء والمخترعين وأهل الخبرة للمشاركة في دعم صناعة القرار والسياسات .
إن كتاب Non-Stop Creativity and Innovation لمؤلفيه فيونا ماكلاود وريتشارد تومسون يقدم فكرة أساسية مفادها أن الإبداع ليس موهبة محدودة ، بل ثقافة يمكن تنميتها ، وأن الأمم التي تجعل الابتكار أسلوب حياة هي التي تصنع المستقبل .
أما المجتمعات التي تنتظر الحلول ولا تنتج الأفكار ، فإنها تبقى أسيرة أزماتها ، ورهينة اعتمادها علي الغير .
وفي واقعنا العربي والأفريقي ، وخصوصًا في السودان بعد الحرب ، فإن إعادة البناء لا ينبغي أن تقتصر على الحجر والمباني والمرافق ، بل يجب أن تبدأ بإعادة بناء الإنسان والعقل والثقة . نحتاج إلى الانتقال من ثقافة انتظار البطل إلى ثقافة صناعة آلاف الرواد ، ومن الشكوى من الواقع إلى المبادرة لتغييره .
فنهضة الأمم لا يصنعها الفرد وحده ، ولا الدولة وحدها ، وإنما يصنعها التفاعل بين إنسان يمتلك الرؤية ، ومجتمع يؤمن بالفكرة ، ودولة تُمكِّن الإبداع وتحميه وتستثمر فيه .
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل إنسان ليس : ماذا قدمت لي بلادي ؟ بل : ما الفكرة التي أستطيع أن أقدمها لبلادي؟ فقد تكون فكرة صغيرة بداية مؤسسة عظيمة ، أو مشروعًا يغير حياة الملايين ، أو شرارة نهضة أمة بأكملها .
فشخص واحد قد يغيّر حال أمة ، عندما يؤمن بفكرة عظيمة ، ويجد مجتمعًا يحتضنها ويشجعها ، ودولة تعرف قيمة العقول وتؤمن بأن أعظم ما وهبه الله للإنسان هو القدرة علي صناعة الحلول وتطويع الموارد وتغيير وجه الحياة الي الأفضل والأجمل

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.