الدبلوماسية الإعلامية المؤثرة … سفير السودان في السنغال نموذجًا عمار العركي
الدبلوماسية الإعلامية المؤثرة … سفير السودان في السنغال نموذجًا
عمار العركي

في عالم أصبحت فيه المعلومة أداة من أدوات القوة، وتحولت وسائل الإعلام إلى إحدى أدوات العمل الدبلوماسي، أصبح السفير لا يمثل دولته أمام الحكومات فقط، بل أمام الشعوب أيضًا.
وفي ظل الحرب الراهنة، ظهرت “معركة الرواية” إلى جانب المعارك العسكرية والسياسية، والتفوق فيها يكون بالاستباق في إدارة الرواية والتأثير في الرأي العام، من خلال تفسير الأحداث وتقديم الصورة المُحكمة للرأي العام الإقليمي والدولي.
(1)
في هذا السياق، تقدم تجربة سفير السودان لدى السنغال، عبد الغني النعيم، نموذجًا جديرًا بالاهتمام لما يمكن أن نسميه “الدبلوماسية الإعلامية المؤثرة”. فالسفير عبد الغني النعيم لم يتعامل مع الإعلام باعتباره مجرد وسيلة لتغطية نشاط السفارة،وإنما باعتباره ميدانًا للعمل الدبلوماسي نفسه.فقد انتقل من دبلوماسية البيانات إلى دبلوماسية الحوار، ومن مخاطبة المؤسسات الرسمية إلى مخاطبة الرأي العام مباشرة عبر المنصات الإعلامية المؤثرة.
(2)
هذه النقلة ظهرت ملامحها من خلال سلسلة من اللقاءات الإعلامية للسفير عبد الغني مع وسائل الإعلام السنغالية المقرؤة والمسموعة والمشاهدة ، مثل الإذاعة السنغالية الدولية، والقنوات التلفزيونية، إلى جانب الحوار الموسع الذي أجرته معه صحيفة “لو سولي”، إحدى أبرز الصحف السنغالية. ولم تكن هذه اللقاءات مجرد مناسبات إعلامية، بل شكلت منصة لعرض الرواية السودانية، وتصحيح كثير من المعلومات المغلوطة، وشرح تعقيدات الأزمة السودانية لجمهور ينتمي إلى الفضاء الفرنكوفوني الإفريقي.
(3)
ما يميز تجربة السفير عبد الغني أنها لم تكتف بالدفاع عن موقف السودان، بل تجاوزته إلى طرح رؤية أوسع حول مستقبل الإعلام الإفريقي. ففي حواره مع صحيفة “لو سولي”، برز مفهوم “السيادة الإعلامية الإفريقية”، باعتباره مدخلًا لتعزيز استقلال القرار الإفريقي، من خلال امتلاك القارة لمنصاتها الإعلامية وقدرتها على إنتاج روايتها بعيدًا عن المصادر الخارجية.
وهنا انتقل الخطاب من معالجة قضية وطنية إلى طرح فكرة ذات بعد قاري،فالحديث عن السودان أصبح جزءًا من حديث إفريقيا.
(4)
كما أن نشاط السفير عبد الغني لم يتوقف عند الحضور الإعلامي المباشر، بل امتد إلى بناء شراكات مؤسسية، من خلال التواصل مع وكالة الأنباء السنغالية، والعمل على تعزيز التعاون مع وكالة السودان للأنباء (سونا). وهذه الخطوة تنم على فهم اعلامي متقدم للدبلوماسية الإعلامية التي تحتاج لجانب الظهور الإعلامي، تحتاج إلى بناء جسور دائمة بين المؤسسات الإعلامية في دولة التمثيل .
(5)
السنغال ليست مجرد دولة صديقة، بل هي إحدى الدول الأكثر تأثيرًا سياسيًا وإعلاميًا في غرب إفريقيا،وبوابة رئيسية للفضاء الفرنكوفوني. ومن ثم، فإن نجاح الدبلوماسية السودانية في الوصول إلى وسائل الإعلام السنغالية يعد اختراقًا وملئ لفضاء إعلامي ظل فارغاً، رغم أهميته في تشكيل الرأي العام الإفريقي.
(6)
القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في الدرس الذي تقدمه للدبلوماسية السودانية. فالدبلوماسية الإعلامية ينبغي ألا تظل رهينة لاجتهادات فردية، بل يجب أن تتحول إلى سياسة مؤسسية تتبناها وزارة الخارجية، بالتنسيق مع وزارة الإعلام والمؤسسات الوطنية ذات الصلة، من خلال إدماج “الاعلام المؤثر” ضمن مهام البعثات الدبلوماسية، وتأهيل الدبلوماسيين للتعامل مع وسائل الإعلام، وبناء شراكات مهنية مع المؤسسات الإعلامية في الدول ذات التأثير الإقليمي والدولي. فمعركة الرواية لم تعد مهمة الإعلام وحده، وإنما أصبحت جزءًا أصيلًا من العمل الدبلوماسي.
خلاصة القول ومنتهاه:
تؤكد تجربة سفير السودان في السنغال أن السفير السوداني لم يعد مجرد ناقل لمواقف بلاده، بل أصبح صانعًا للصورة الذهنية، ومديرًا للرواية الوطنية، وشريكًا في معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن معركة الميدان، فالسلاح يحمي الحدود، والدبلوماسية تحمي المصالح، لكن الإعلام يحمي الرواية. ومن يملك روايته، يملك فرصة أكبر لحماية قضيته وتعزيز مكانته
