البعد_الاخر مصعب بريــر شمس السودان بين الوعود الحكومية وظلمة الواقع: كيف ينير “نور وماء” العتمة؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
شمس السودان بين الوعود الحكومية وظلمة الواقع: كيف ينير “نور وماء” العتمة؟
في سوق أم درمان، تجلس النساء الصابرات بجوار “تقاشير” السمك وأكياس الفحم، يتدبرن رزقهن اليومي تحت شمس لا ترحم. هذه الشمس نفسها، التي كوت أجسادهن لعقود وكانت مثال للفح والهجير، هي ذاتها التي نتطلع إليها اليوم لتنقذنا من الظلمة. هل سألت نفسك يوماً لماذا ننتبه دائماً للحلول البديهية في أوقات وجعنا المتأخرة؟ ولماذا نحتاج دائماً إلى صدمة الانقطاع الكامل كي نتذكر أن لدينا نصيباً من الضياء يتجاوز كل سدود العالم؟
جوهر القضية اليوم ليس في مجرد قرار حكومي صدر، ولا في كلمات براقة اعتادت أن تدغدغ أشواق السودانيين للخدمات الأساسية. ما يحدث باختصار هو أن مجلس الوزراء وافق أخيراً على برنامج “نور وماء لكل السودان”، جاعلاً من الطاقة الشمسية خياراً استراتيجياً لإنهاء أزمة الكهرباء والماء خلال عام. هذا الحديث ليس مجرد استعراض لخطط مستقبليّة، بل هو مساس مباشر بلقمة العيش الصعبة، وبالمسافة بين ست الشاي وطلمبة المياه في أقصى قريتنا، وبساعات الظلام التي سرقت من أطفالنا فرصة المذاكرة.
السبب الأول الذي يراه الجميع في هذه الأزمة هو الإنهيار البنيوي للشبكة القومية وتكاليف الصيانة الباهظة. ويقول الناس إن المشكلة بدأت منذ اعتمدنا كلياً على التوليد المائي والحراري المتهالك الذي يحتاج للوقود ولقطع الغيار الأجنبي. والنتيجة الحتمية كانت ظلاماً يلف المدن وجفافاً يهدد القرى. لكن ما لا يُرى، هو أن هذا الخلل الفني الهائل له جذور ممتدة في عقود من سوء التخطيط وإهمال الإدماج الذكي للطاقات البديلة. انظر كيف تسللت هذه النتيجة لتخلق واقعاً مكبلاً؛ حيث أصبحت محطات المياه تتوقف بمجرد انقطاع التيار الكهربائي، ليصبح المواطن بين فكي العطش والظلام في آن واحد.
الحديث عن الطاقة الشمسية ليس ترفاً هندسياً، بل هو أشبه بالرجل الذي ظل يشتري الشموع كل ليلة بمبالغ طائلة، بدلاً من أن يصلح أسلاك بيته مرة واحدة ويستريح. يرى البعض أن اعتماد هذا المشروع هو خطوة حكومية جادة، ولكن ألا نتحمل جميعاً مسؤولية التساؤل عن “كيف” سينفذ هذا البرنامج؟ فالإعلان الصحفي لمجلس الوزراء تحدث بعمومية شديدة، والتجارب الناجحة في العالم تقول إن الطاقة الشمسية ليست مجرد ألواح تُزرع في الصحراء، بل هي سياسات إدماج ذكية في الشبكة العامة، وتشريعات مشجعة للمستثمر والمواطن، وشبكات توزيع قادرة على استيعاب هذا التيار المتذبذب.
وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة؛ فالأمنيات الحكومية والوعود البراقة لا تضيء قنديلًا في بيوت النازحين، ولا تضخ ماءً في أرياف كردفان ودارفور والشرق. إن النجاح في تنفيذ هذا البرنامج يتطلب الانتقال العاجل من عناوين الصحف إلى إستراتيجيات التطبيق الشفاف، والتعلم المباشر من تجارب الدول التي سبقتنا في ربط الطاقة الشمسية بالشبكات القومية وتوفير مياه الشرب عبر التوليد المستقل.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء ممتاز كبداية، لكن القرارات الحكيمة تظل مجرد حبر متطاير ما لم تحرسها إرادة التنفيذ الدقيقة وسؤال “كيف” الحاسم. نحن لا تنقصنا الشمس، فقد وهبنا الله منها ما يكفي لإضاءة القارة بأكملها، ولكننا ظللنا سنوات طويلة نموت عطشاً وظلمة والشمس فوق رؤوسنا.
أخيرًا، إن هذا البرنامج يجب ألا يكون مجرد مسكن مؤقت لأزمة مستعرة، بل بداية لاسترداد الكرامة اليومية للمواطن السوداني. فالضوء الذي ننتظره في أزقتنا ليس مجرد كهرباء تسري في الأسلاك، بل هو إعلان عن أننا قررنا أخيراً أن نخرج من عتمة الإدارة بالإطفاء، إلى ضياء التخطيط الذي يبني الأوطان.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 17 اغسطس 2026م
musapbrear@gmail.com
