تحديث البيانات بالبنوك بين الحضور و التحول الرقمي ================== ✍️كتب/ حسن البصير
*تحديث البيانات بالبنوك بين الحضور و التحول الرقمي*
*==================*
*✍️*كتب/ حسن البصير

▪️يمثل منشور بنك السودان بشأن تحديث بيانات العملاء وتشديد الضوابط الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح خطوة مهمة في اتجاه تعزيز سلامة الجهاز المصرفي ورفع مستوى امتثاله للمعايير الدولية. فمعرفة العميل، والتحقق من هويته ومصدر أمواله، ومراقبة الأنماط غير المعتادة في المعاملات، أصبحت من الركائز الأساسية للعمل المصرفي الحديث، كما أن وجود أنظمة تقنية للمراقبة المستمرة يمكن أن يسهم في الحد من الجرائم المالية وتهريب الأموال وتعزيز ثقة المؤسسات المالية الدولية في القطاع المصرفي السوداني.
▪️غير أن سلامة الهدف لا تعني بالضرورة أن كل وسائل التنفيذ مثالية. فإلزام العملاء بتحديث بياناتهم خلال فترة قصيرة، مع احتمال تجميد الحسابات غير المحدثة، قد يفرض تكلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة، خصوصاً في ظل ظروف الحرب والنزوح وفقدان الوثائق وصعوبة الوصول إلى الفروع وضعف الاتصالات والكهرباء في بعض المناطق. كما أن التوسع في الإجراءات الحضورية قد يؤدي إلى ازدحام الفروع وتعطيل الأعمال، بل وربما يدفع بعض المتعاملين إلى مزيد من الاعتماد على الاقتصاد النقدي وغير الرسمي.
وهنا تبرز المفارقة الأهم: في الوقت الذي يتجه فيه السودان نحو التحول الرقمي، ينبغي ألا يتحول تحديث البيانات إلى عملية تعيد المواطنين إلى الصفوف والإجراءات الورقية. المطلوب هو توظيف الهوية الرقمية، والتحقق الإلكتروني، والتوقيع الرقمي، وقواعد البيانات الحكومية، وتطبيقات المصارف، مع توفير بدائل حضورية للحالات التي يتعذر عليها استخدام الوسائل الإلكترونية. فالتقنية ليست ترفاً، وإنما أداة لخفض تكلفة الامتثال وتسريع الخدمة وتحسين دقة البيانات وتقليل مخاطر التلاعب.
▪️أما على مستوى السيولة، فإن تجميد عدد كبير من الحسابات في وقت واحد قد يؤدي مؤقتاً إلى حجز جزء من الأموال داخل الجهاز المصرفي وتقليل قدرتها على التداول، بما قد ينعكس على النشاط التجاري وحركة الطلب، حتى وإن لم يكن ذلك سحباً فعلياً للودائع. لذلك فإن التدرج، والإخطار المسبق، وتوسيع قنوات التحديث، والاستثناءات المدروسة للحالات الإنسانية، عناصر ضرورية لتجنب صدمة تشغيلية غير مطلوبة.
▪️وعليه، فإن المنشور في جوهره ضروري، لكن نجاحه لا يقاس بعدد الحسابات المجمدة، وإنما بقدرة المصارف على الوصول إلى بيانات موثوقة بأقل تكلفة وأعلى كفاءة. فالامتثال المالي والتحول الرقمي ليسا مسارين متعارضين، بل ينبغي أن يكونا وجهين لعملية واحدة تقود إلى جهاز مصرفي أكثر أماناً وكفاءة، واقتصاد أكثر شفافية وقدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي.
