الدولار عند 6500 جنيه سوداني ! من يوقف النزيف؟ كوداويات ✍️ محمد بلال كوداوي
الدولار عند 6500 جنيه سوداني ! من يوقف النزيف؟
كوداويات
✍️ محمد بلال كوداوي

لم يعد من المنطقي أن نشهد تراجعاً مستمراً وشبه يومي لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، بينما تمر هذه الكارثة الاقتصادية وكأنها مجرد رقم جديد يضاف إلى قائمة الأزمات التي اعتاد المواطن سماعها.
فالدولار، الذي بلغ اليوم نحو 6500 جنيه في السوق الموازية وفقاً للأسعار المتداولة، لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي يهم التجار والمستوردين، بل أصبح رقماً يحدد مصير المواطن في كل تفاصيل حياته اليومية.
كل ارتفاع في سعر الدولار يعني ارتفاعاً جديداً في أسعار الغذاء والدواء والوقود والمواصلات، بينما تبقى دخول المواطنين ثابتة أو تتراجع قدرتها الشرائية يوماً بعد يوم.
إن ما يحدث تجاوز مرحلة الأزمة العابرة، ولم يعد مقبولاً التعامل معه باعتباره نتيجة طبيعية للحرب فقط.
نحن أمام استنزاف اقتصادي يومي، يدفع ثمنه المواطن السوداني وحده.
فمن يملك المال أو الدولار يستطيع حماية جزء من ثروته، بينما يواجه الموظف وصاحب الدخل المحدود والمتقاعد موجة مستمرة من الفقر وتآكل المدخرات.
ولذلك فإن تفسير ما يحدث باعتباره شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية لم يعد مجرد رأي أو مبالغة، بل أصبح احتمالاً يفرض نفسه أمام هذا الانهيار المتواصل. فالحرب لا تُدار دائماً بالسلاح والقذائف، بل يمكن أن تُدار أيضاً
عبر إنهاك الاقتصاد، وإضعاف العملة الوطنية، وتجفيف مصادر النقد الأجنبي، وضرب الإنتاج، وفتح الباب أمام المضاربات والاحتكار.
وزير المالية جبريل إبراهيم.. ما هي أولويتك؟
وهنا يبرز السؤال المباشر لوزير المالية، جبريل إبراهيم: ما هي مهمتك الحقيقية في هذه المرحلة؟
هل تتمثل أولويتك في معالجة الانهيار الاقتصادي وحماية قيمة الجنيه السوداني واستعادة الاستقرار المالي، أم أن الاهتمام الأكبر ينصرف إلى خصم مخصصات دارفور من الميزانية وفرض جبايات على المواطن المغلوب على أمره بينما الاقتصاد السوداني كله ينهار أمام أعيننا؟
لا يجوز أن تُختزل إدارة وزارة المالية في توزيع المخصصات والبحث عن حصة إقليم هنا أو هنا وفرض جبايات باهظة على المواطن بينما المواطن في كل أنحاء السودان يواجه تراجعاً مرعباً في قيمة دخله ومدخراته.
وزير المالية مسؤول عن اقتصاد دولة كاملة، وليس عن إقليم أو تنظيم سياسي أو مجموعة بعينها.
ثم إن التذرع بالحرب، رغم تأثيرها الكارثي بلا شك، لا يمكن أن يظل التفسير الوحيد لكل فشل اقتصادي.
نعم، الحرب دمّرت الاقتصاد، وعطلت الإنتاج، وأضعفت مؤسسات الدولة، لكن المناطق المحررة، بحسب تقديرات متداولة، تمثل أكثر من 75% من البلاد. فماذا فعلت الحكومة في هذه المساحات لاستعادة الإنتاج؟
أين خطة الزراعة؟
أين خطة التعدين؟
أين خطة زيادة الصادرات؟
أين الإجراءات الجادة لمواجهة التهريب والمضاربة في العملات؟
وأين رؤية وزارة المالية لإعادة النشاط الاقتصادي في المناطق التي خرجت من دائرة القتال؟
لا يمكن أن تبقى الحرب شماعةً نعلّق عليها كل الإخفاقات، بينما توجد مساحات واسعة يمكن أن تتحول إلى مراكز للإنتاج والتنمية والتصدير.
فالمشكلة ليست فقط في المناطق التي دمرتها الحرب، وإنما في غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة في المناطق التي ما زالت قادرة على العمل والإنتاج.
إن أخطر ما في الأمر أن المواطن أصبح يدفع ثمن الحرب مرتين: مرة عندما تلتهم الحرب أمنه وممتلكاته ومستقبله، ومرة أخرى عندما يلتهم انهيار الجنيه ما تبقى من دخله.
إلى متى يستمر النزيف؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: إلى متى سيظل الدولار يصعد والجنيه ينهار دون أن نرى إجراءات حقيقية توقف هذا النزيف؟
لا يكفي أن نسمع عن لجان أو وعود أو بيانات تطلب من المواطنين الصبر.
المواطن صبر على الحرب، والنزوح، وفقدان الممتلكات ، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وفقدان الخدمات، وتراجع الدخل. لكنه لا يستطيع أن يعيش على الصبر وحده، لأن الأسواق لا تتعامل بالعواطف، وتاجر الدواء لا يستورد بالأمنيات.
إن إنقاذ الجنيه السوداني يبدأ من معالجة جذور الأزمة، وعلى رأسها وقف التوسع غير المنضبط في الكتلة النقدية، ومحاربة المضاربة في سوق العملات، واستعادة الإنتاج والتصدير، وضبط الواردات، وتوحيد المؤسسات المالية، ومحاصرة الفساد والتهريب.
أما الاستمرار في مراقبة الدولار وهو يلتهم قيمة الجنيه كل يوم، ثم مطالبة المواطن بمزيد من التحمل، فذلك ليس حلاً، بل إدارة للأزمة بطريقة تسمح لها بأن تصبح كارثة أكبر.
إن أخطر ما في انهيار العملة ليس الرقم الذي يصل إليه الدولار، وإنما اللحظة التي يفقد فيها المواطن ثقته تماماً في الجنيه الوطني.
وعندما تتحول الثقة إلى خوف، والخوف إلى اكتناز للعملات الأجنبية، يصبح وقف الانهيار أكثر صعوبة.
السودان لا يحتاج إلى خطابات تطلب الصبر فقط، بل يحتاج إلى خطة اقتصادية طارئة، واضحة وقابلة للتنفيذ، تعيد الاعتبار للإنتاج وتحمي العملة الوطنية وتخفف العبء عن المواطن.
لأن استمرار الدولار في الصعود إلى مستويات جديدة ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل هو إعلان يومي عن تراجع قيمة رواتب الناس ومدخراتهم ومستقبلهم.
وإذا لم يتم إيقاف هذا النزيف الآن، فقد يأتي يوم لا نسأل فيه: كم بلغ سعر الدولار؟
بل نسأل: كم بقي من قيمة الجنيه؟
