منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

صوت العقل عسكوري ،لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم كتب / ضياء الدين سيد سمهن 

0

 

 

صوت العقل

 

عسكوري ،لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله

 

عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم

 

كتب / ضياء الدين سيد سمهن

 

يعتزم اهالي ومواطني مدينة وارياف ومحلية بربر عموم القيام بمسيرة سلميه احتجاجيه الي مقر ادارة شركة زادي ون (زادنا) يوم الاحد القادم 30 اغسطس وذلك تلبية لما جاء في بيان صادر عن نظارة قبيلة الميرفاب ومكونات المجتمع المحلي بالمنطقه وذلك احتجاجا علي سياسات الشركة في استخدام اراضي المحليه الواقعة شرق محلية بربر وداخل اراضي الميرفاب والتي تقول النظارة ان شركة زادنا تمددت فيها بمشر ع زادي ون دون الوصول الي تسويات مع اصحاب الاراضي وملاكها بل ان الشركة رفضت الحوار مع الاهالي بغية الوصول الي حالة الرضى المجتمعي وتجاهلت دعواتهم للجلوس والتفاوض

 

ولعله من أكثر ما يثير الأسئلة في المشهد السوداني أن بعض الذين رفعوا رايات الدفاع عن حقوق الناس، ووقفوا بالأمس في مواجهة الدولة عندما رأوا فيها متغولةً على الأرض والحقوق، قد يجدون أنفسهم اليوم في مواقع تجعلهم أمام الاختبار ذاته الذي طالما طالبوا الآخرين بالنجاح فيه.

 

وعلي عسكوري أحد أبرز النماذج التي تستحق أن تُطرح أمامها هذه الأسئلة والمطالب من قبل اهالي منطقة بربر،فالرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات بقضية المناصير والمتأثرين بسد مروي والذي (تمرد علي الدوله ) في يوم من الايام والتحق بالحركة الشعبيه بسبب مارآه تغولا من الدوله علي حق اهله المناصير لم يكن مجرد مراقب من بعيد،بل كان من الأصوات البارزة في مواجهة سياسات الدولة تجاه المتأثرين، ودافع بشدة عن حق أهل المناصير في أرضهم، ورفض أن تكون مشروعات الدولة الكبرى مبرراً لتجاوز إرادة أصحاب الأرض أو تهجيرهم قسراً ونزع اراضيهم.

 

وكان جوهر موقفه يومها بسيطاً وواضحاً (الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، والمشروع القومي لا يمنح الدولة أو الجهة المنفذة حق تجاوز أصحاب الأرض وحقوقهم.) او كما قال

وهذا موقف لا يمكن إلا احترامه إذا كان مبدئياً.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير الموقع ولا يتغير المبدأ،فاليوم، أصبح عسكوري في موقع قيادي في شركة زادنا، وفي المقابل ظهرت أزمة تتعلق بأراضٍ في محلية بربر وحواكير الميرفاب.

 

ففي يناير 2026، أعلنت نظارة الميرفاب التوصل إلى اتفاق مع شركة زادنا لوضع جدول زمني لمعالجة نزاع يتعلق بأراضٍ داخل حاكورة الميرفاب، وسط حديث عن توسع في أنشطة الشركة وحقوق للمجتمع المحلي لم تُحسم بصورة نهائية.

 

ثم خرج مزارعون في محلية بربر محتجين على ما وصفوه بتعديات على آلاف الأفدنة، وقالوا إن لديهم مستندات قانونية تثبت حقوقهم في الأرض.

وفي المقابل، لا تقف زادنا صامتة؛ فهي تملك روايتها القانونية الخاصة، وتقول في ملفات أخرى إن أراضي تدخل ضمن مشروعاتها تعرضت هي نفسها للتعدي.

وهنا لا نريد أن نحكم مسبقاً لمن الأرض.

فذلك شأن الوثائق والقانون والجهات المختصة.

 

لكننا نريد أن نسأل علي عسكوري السياسي، قبل أن نسأل علي عسكوري الإداري

إذا كان من الظلم أن تتغول الدولة على أرض المناصير باسم المشروع القومي، فهل يصبح التغول مشروعاً عندما يكون الطرف الآخر شركة استثمارية؟

وإذا كان حق أهل المناصير في الأرض لا يسقط أمام قوة الدولة ومشروعاتها، فهل يسقط حق الميرفاب أمام قوة الشركة ومشروعاتها؟

وإذا كان عسكوري حينها قد طالب الدولة بأن تسمع لأصحاب الأرض، وأن تحترم إرادتهم، وأن تحسم الملكية والتعويضات قبل المضي في المشروعات، أليس من الطبيعي أن يُطلب منه اليوم أن يطبق المعيار نفسه؟

المبادئ لا تتغير بتغير الكرسي.

وهنا تحديداً تستوقفنا الآية الكريمة:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾

كما تستوقفنا الحكمة الشعرية التي تلخص المسألة كلها:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَهُ

عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

نحن لا نقول إن زادنا اغتصبت أراضي الميرفاب؛ فهذه تهمة لا يجوز إطلاقها دون وثائق وأحكام وحقائق مكتملة.

ولا نقول إن الميرفاب على حق لمجرد أنهم أصحاب الحاكورة.

ولا نقول إن زادنا على باطل لمجرد أن اسمها شركة كبيرة.

نحن نطالب بشيء واحد فقط نفس المعيار الذي طالب به عسكوري للدولة عندما كان يقف مع المناصير.

فإن كانت الأرض للميرفاب، فليُحترم حقهم.

وإن كانت لزادنا، فلتقدم الشركة مستنداتها.

وإن كانت هناك حقوق مشتركة أو ترتيبات تاريخية، فلتجلس الأطراف وتحسمها بالقانون.

وإن كان هناك تعويض مستحق، فليُدفع.

وإن كانت هناك تجاوزات من أي طرف، فليحاسب مرتكبها.

لكن أن تتحول قضية الأرض من «حق أصحابها عندما يكون عسكوري معهم» إلى «حق المستثمر عندما يصبح عسكوري ممثلاً له»، فهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل واجباً.

لقد عانى السودان طويلاً من مشكلة خطيرة هي

المبدأ عندنا كثيراً ما يتبع الموقع، وليس العكس.

نرفض الاستبداد عندما نكون في المعارضة، ونبرره عندما نصل إلى السلطة.

نرفض المحسوبية عندما لا نستفيد منها، ونصمت عنها عندما تخدم مصالحنا.

نرفض تغول الدولة عندما يقع علينا، ثم نبحث له عن المبررات عندما يصبح في صالحنا.

وهذه هي الكارثة التي يجب أن نتجاوزها.

إن عسكوري اليوم أمام فرصة كبيرة لإثبات أن مواقفه القديمة التي وصلت الي التمرد وحمل السلاح ضد الدوله لم تكن مجرد محطة سياسية عابره

يمكنه أن يقول ببساطة

أنا كما كنت بالأمس مع حق المناصير، أنا اليوم مع حق الميرفاب، ولو كانت زادنا هي الطرف الآخر.

ويمكنه، في المقابل، أن يقدم للرأي العام كل الوثائق التي تثبت حقوق زادنا، وأن يشرح للرأي العام كيف حصلت الشركة على هذه الأراضي، وما هي حدودها، وما هي حقوق أصحاب الحيازات القديمة، وما الذي تم دفعه من تعويضات، وما الذي لم يتم دفعه.

وهذا هو التصرف الذي يليق برجل عاش تجربة التهجير والنضال حول الأرض.

فالرجل الذي كان يقول للدولة

(لا يكفي أن تقول إن المشروع قومي عليك أن تحترم الإنسان الذي يعيش على الأرض.)

لا ينبغي أن يجد حرجاً اليوم في أن يقول لشركته

لا يكفي أن نقول إن الأرض لنا علينا أن نثبت ذلك، وأن نحترم حقوق من يقولون إن لهم فيها حقاً.

هذه ليست معركة ضد عسكوري.

وليست دفاعاً عن الميرفاب.

وليست هجوماً على زادنا.

إنها معركة ضد ازدواجية المعايير.

فالعدل الذي نطالب به لأنفسنا يجب أن نطالب به لخصومنا.

والحق الذي نراه مقدساً عندما يكون في أيدينا، يجب أن نراه مقدساً عندما يكون في يد الآخرين.

عسكوري، الذي ناضل بالأمس من أجل ألا تتغول الدولة على أرض أهله، أمام امتحان جديد اليوم هل يستطيع أن يجعل من تلك التجربة مبدأً عاماً لا موقفاً ظرفياً؟

ذلك هو السؤال.

والأيام وحدها ستجيب.

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.