صوت العقل كردستان العراق ودقلو ستان هل يعيد التاريخ نفسه في السودان؟ كتب / ضياء الدين سيد سمهن
صوت العقل
كردستان العراق ودقلو ستان
هل يعيد التاريخ نفسه في السودان؟
كتب / ضياء الدين سيد سمهن
السؤال المطروح ليس من باب المبالغة، ولا من قبيل عقد المقارنات السطحية بين قضيتين وحربين وتمردين وبلدين وظرفين مختلفين، وإنما لأن بعض السيناريوهات السياسية تبدأ دائماً من بوابة تبدو إنسانية وقانونية، ثم تنتهي إلى واقع سياسي وجغرافي جديد يصعب التراجع عنه.
في عام 1991، وبعد حرب الخليج، أصدر مجلس الأمن (بايعاز واقتراح من امريكا ودول التحالف) القرار 688 الذي أدان قمع المدنيين العراقيين، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية، وطالب بغداد بوقف القمع والسماح بوصول المساعدات الإنسانية.
وبعد ذلك أقامت الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاؤهما منطقة حظر جوي شمال العراق، بدعوى حماية المواطنيين المدنيين الأكراد ومنع تكرار المآسي التي تعرضوا لها رغم ان الجيش العراقي لم يكن يستهدف مدنيين قط بل كان يقاتل قوات كرديه متمرده ، والمفارقة المهمة هنا أن القرار 688 نفسه لم ينص صراحة على إنشاء منطقة حظر جوي، وهو ما ظل موضع جدل قانوني وسياسي داخل الأمم المتحدة.
لكن النتيجة السياسية كانت أكبر من عنوانها الإنساني.
فمع انسحاب القوات العراقية من أجزاء واسعة من الشمال بعد تطبيق قرار الحظر، نشأت للأكراد مساحة واسعة من الحكم الفعلي، ثم تطورت تدريجياً إلى إقليم كردستان العراق ذي الحكم الذاتي.
وهنا يأتي السؤال السوداني
هل يمكن أن يبدأ السيناريو نفسه في السودان تحت عنوان حماية المدنيين، والعقوبات، والمساعدات الإنسانية، ثم ينتهي إلى تكريس واقع سياسي وجغرافي جديد يخدم مشروع قوات الدع/م السريع؟ بالرغم من القوات المسلحه السودانيه تستهدف طلعاتها الجويه فقط متحركات التمرد وتشوينها وقوافل امدادها القادمة من الامارات عبر ليبيا وتشاد واثيوبيا في اماكن تجمعها ومعابر دخولها الي السودان وتستهدف مخازن السلاخ والذخيره ولاتستهدف مدنيين قط،
لا أحد يستطيع أن يجزم بأن هذا هو المخطط الفعلي، ولا يجوز أن نتعامل مع النوايا باعتبارها حقائق. لكن من حق السودانيين أن يتساءلوا، وأن يقرأوا ما يجري بعين مفتوحة، خصوصاً عندما تتقاطع الضغوط الدولية والعقوبات والحديث عن حماية المدنيين مع حرب داخلية تسعى فيها قوات الدعم السريع إلى تثبيت مناطق نفوذ وسلطة موازية كحكومة تأسيس .
مجلس الأمن لديه بالفعل نظام عقوبات خاص بالسودان منذ القرار 1591، وقد أضافت لجنة العقوبات خلال عام 2026 أسماء مرتبطة بقيادة وتمويل وتسليح قوات الدع/م السريع، ومن بينها القوني حمدان دقلو، الذي قالت اللجنة إنه مسؤول عن عمليات شراء السلاح والعتاد لصالح الدعم السريع.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين
العقوبات التي تستهدف أفراداً أو جهات متورطة في الحرب، وبين أي ترتيبات دولية يمكن أن تتحول عملياً إلى حصار طرف سوداني أو تقييد قدرته على استعادة سيادة الدولة على أراضيها.
فالخطر ليس في العقوبة ذاتها، وإنما في استخدامها بطريقة انتقائية تنتج اختلالاً في ميزان القوة على الأرض.
وإذا حدث أن أصبح الضغط الدولي موجهاً بصورة تؤدي إلى إضعاف الدولة والجيش، بينما تُترك لقوة مسلحة مساحة للحركة والتفاوض والتمدد واستقبال الدعم والسلاح من الدول الداعمه كدويلة الشر ، فإن السؤال يصبح مشروعاً
هل نحن أمام حماية للمدنيين، أم أمام صناعة توازن جديد؟
وهل يمكن أن تتحول المناطق التي تسيطر عليها قوات الدع/م السريع إلى منطقة أمر واقع، ثم إلى إدارة موازية، ثم إلى سلطة سياسية، ثم يصبح المجتمع الدولي بعد سنوات أمام حقيقة جديدة لا يملك إلا التعامل معها؟ وهذا علي مايبدو ماتخطط له ماتعرف (بتأسيس ) مع تواطوء واضح وتسويق دولي لخطة حماية دوليه لقوات التمرد في اقليم دارفور تحديدا من قبل مايعرف (بصمود) بقيادة حمدوك ورعاية الامارات بدعوى حماية المدنيين وتوفير ممرات آمنه للمساعدات وهذا بالضبط مايسوق له كبير مستشاري ترامب اللبناني الاصل مسعد بولس ، ومعه يطفو علي السطح مصطلح (دقلو ستان).
كردستان العراق لم تولد في يوم واحد. لقد مرت بمراحل عقوبات وحظر طيران وحماية دولية، ثم منطقة آمنة، وبعدهاانسحاب للقوات الحكوميه ومن ثم إدارة محلية، ثم انتخابات، ثم ترسيخ مؤسسات الحكم الذاتي.
والسؤال الذي يجب أن يظل حاضراً في السودان
هل يمكن أن تبدأ عملية مشابهة، ولكن بأسماء سودانية وأدوات سودانية؟
قد تبدأ بعقوبات.
ثم حماية المدنيين.
ثم مناطق آمنة.
ثم ترتيبات إنسانية خاصة.
ثم إدارة مدنية في مناطق يسيطر عليها التمرد
ثم اعتراف سياسي دولي بهذه الإدارة باعتبارها «طرفاً» لا مجرد مليشيا.
ثم يصبح الأمر الواقع هو الحقيقة التي تتعامل معها العواصم والمنظمات الدولية.
وعندها قد يستيقظ السودانيون ذات صباح ليكتشفوا أن ما كان يُسمى «مؤقتاً» أصبح دائماً، وأن ما كان يسمى «ترتيبات إنسانية» تحول إلى ترتيبات سياسية، وأن السودان الذي عرفناه بدأ يتشكل داخله سودان آخر وأن مخطط تأسيس وصمود وقحط هو هذا المخطط.
وهنا لا ينبغي أن يكون موقفنا رفض حماية المدنيين أو رفض المساعدات الإنسانية أو رفض محاسبة مرتكبي الانتهاكات. هذه حقوق إنسانية لا خلاف عليها.
لكن صوت العقل يقول إن حماية المدنيين يجب ألا تتحول إلى حماية للأمر الواقع الذي صنعته المليشيا.
والمساعدات الإنسانية يجب ألا تتحول إلى بوابة سياسية.
والعقوبات يجب ألا تصبح أداة لإعادة تشكيل ميزان الحرب لمصلحة الدع/م السريع .
والضغط الدولي يجب ألا يؤدي بصورة غير مباشرة إلى تقسيم السودان بين مناطق نفوذ متصارعة.
فالسودان ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن إعادة توزيعها على طاولة المفاوضات، ولا هو مجموعة أقاليم يمكن تحويلها إلى كيانات مستقلة كلما عجزت الدولة عن بسط سلطتها.
والأخطر من ذلك أن تجربة العراق نفسها تقول لنا إن الأمر الواقع السياسي قد يبدأ كإجراء مؤقت ثم يتحول إلى بنية دائمة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه الخرطوم، والدبلوماسية السودانية، والقوى السياسية، والمجتمع المدني، وكل من يخشى على وحدة السودان، ليس فقط
من هو الاجد بأن يُعاقَب؟
بل
ماذا سيحدث للسودان إذا أدت هذه العقوبات والضغوط والترتيبات إلى تكريس سلطتين على الأرض؟
وماذا لو أصبح للد/ عم السريع جيش، وإدارة، وموارد، وعلاقات خارجية، ومناطق نفوذ، ثم قيل للحكومة السودانيه لاحقاً
هذا هو الواقع، تعالوا تفاوضوا معه؟
هنا ينبغي أن يرتفع صوت العقل قبل أن يرتفع صوت المدافع.
لأن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة السيطرة على مدينة أو طريق أو معسكر.
إنها معركة من يملك حق تعريف الدولة السودانية بعد الحرب.
هل هي دولة واحدة بجيش وطني واحد وسلطة واحدة؟
أم دولة تتوزع فيها السيادة بين قوى مسلحة، ثم يجري تدويل هذا التوزيع وتجميده تحت عناوين إنسانية وسياسية؟
لانستطيع القول ان دولة (دقلو ستان) في طريقها لتصبح واقعاً.
لكننا نقول إن كل مشروع أمر واقع يبدأ بفكرة، وكل كيان سياسي يبدأ بمنطقة نفوذ، وكل انفصال فعلي يبدأ عندما يصبح تعدد السلطات أمراً طبيعياً.
ولهذا فإن العاقل لا ينتظر حتى يكتمل البناء ليكتشف الخطر.
فصوت العقل لا يسأل فقط: ماذا يحدث الآن؟
بل يسأل
إلى أين يقودنا ما يحدث الآن؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عليه قبل أن يصبح الجواب مفروضاً علينا من الخارج.
كردستان العراق كانت تجربة تاريخية لها ظروفها وأسبابها ومسارها الخاص.
لكن السودان يجب ألا يسمح بأن تتحول تجربته الحالية، بفعل الحرب والتدخلات الخارجية والأمر الواقع، إلى نسخة جديدة من صناعة الكيانات داخل الدول.
فالسودان يحتاج إلى قرارات تساند الشرعيه وتجرم التمرد وتعاقبه وتعيد بناء الدولة، لا ترتيبات تعيد بناء الحرب وترعاها تمهيدا لصنع دولةجديده.
