الجنسية السودانية في سوق السياسة كوداويات✍️ محمد بلال كوداوي عندما تصبح الهوية الوطنية سلعة يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر
الجنسية السودانية في سوق السياسة
كوداويات
✍️ محمد بلال كوداوي
عندما تصبح الهوية الوطنية سلعة يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر

في كل دول العالم تقريباً، تُعد الجنسية من أغلى ما تمنحه الدولة للإنسان، لأنها ليست مجرد ورقة رسمية أو بطاقة تعريف، بل هي عقد ولاء وانتماء ومسؤولية مشتركة بين المواطن والوطن. لكن في السودان، وبكل أسف، يبدو أن الجنسية أصبحت من أرخص الأشياء، تدخل سوق السياسة وتُعرض للمساومة، وكأن الوطن متجر كبير، وكأن هويته سلعة يشتريها من يدفع أو من يملك النفوذ والسلاح.
لقد دخلت الجنسية السودانية إلى مزاد السياسة.
فالأحزاب، بحسب ما يُثار في الساحة، تنظر إلى التجنيس أحياناً باعتباره وسيلة لتوسيع القواعد الانتخابية.
والحركات المسلحة قد تنظر إليه كوسيلة لتعزيز صفوفها بينما ارتبطت اتهامات متكررة لقوات وتشكيلات مسلحة بعمليات تجنيس واسعة كما فعل الدعم السريع .
وفي المقابل تظهر شبكات الفساد والسماسرة الذين يتعاملون مع أوراق الهوية والجنسية وكأنها بضاعة معروضة في السوق لمن يملك المال أو العلاقات.
وهنا تصبح الكارثة أكبر من مجرد تجاوز إداري.
لأن العبث بالجنسية ليس مثل العبث برخصة تجارية أو قطعة أرض أو وظيفة عامة. الجنسية هي البوابة التي تحدد من يشارك في تقرير مصير الدولة، ومن ينتخب، ومن يُنتخب، ومن يتملك، ومن يتولى المناصب، ومن يصبح جزءاً من النسيج الوطني للأجيال القادمة.
ومن هنا يجب أن نسأل:
من الذي يملك الحق في منح الجنسية السودانية؟
هل هي مؤسسة الدولة وفق قانون صارم وعادل وشفاف؟
أم أنها مكافأة سياسية؟
أم ثمن للتحالفات؟
أم وسيلة لاسترضاء الحواضن؟
أم بطاقة تمنح لمن يقاتل اليوم، ثم يصبح غداً ناخباً يغير مستقبل الوطن كله؟
المؤسف أن هذه القضية المصيرية لا تجد الاهتمام الذي تستحقه من النخب السياسية والأحزاب والخبراء والمفكرين. الجميع يتحدث عن الحرب والسلام والسلطة والانتخابات، بينما يتجاهلون سؤالاً أخطر:
من هم مواطنو السودان في المستقبل؟
فالتجنيس العشوائي أو السياسي لا ينتهي عند الشخص الذي يحمل الجنسية اليوم، بل يمتد إلى الأبناء والأحفاد، ليصبح تغيير التركيبة السكانية والاجتماعية والسياسية أمراً واقعاً لا يمكن التراجع عنه بسهولة.
ولا أحد يعترض على من جاء إلى السودان بطرق مشروعة، وعاش فيه سنوات طويلة، وارتبط به حقيقةً، واحترم قوانينه، واندمج في مجتمعه، واستوفى شروط الجنسية القانونية.
المشكلة ليست في الإنسان بسبب أصله أو لونه أو جنسيته، فالسودان بلد عرف الهجرة والتعايش عبر التاريخ.
المشكلة في تحويل الجنسية إلى أداة سياسية بلا ضوابط، وفي منحها خارج القانون، وفي استخدام الهوية الوطنية لتحقيق مكاسب مؤقتة.
إن الشخص الذي يحمل الجنسية على الورق دون اندماج حقيقي في مشروع وطني جامع، قد يبقى ولاؤه الأول لجماعته أو قبيلته أو منطقته أو القوى التي منحته الامتياز.
وهذا لا يعني أن كل من يتجنس غير وطني، ولا أن المواطن بالميلاد معصوم من الخيانة، فالتاريخ مليء بمواطنين خانوا أوطانهم.
لكن الخطر الحقيقي هو إدارة ملف التجنيس بلا معايير واضحة، وفتح الباب أمام اختراقات منظمة وتوظيف سياسي وأمني للديموغرافيا السودانية.
فهل من الحكمة أن نترك هذا الملف الخطير رهينة للأحزاب والحركات المسلحة والسماسرة؟
وهل يجوز أن تصبح الجنسية مكافأة للمقاتل أو ثمناً للولاء السياسي أو خدمة يقدمها مسؤول فاسد؟
وهل يملك أي حزب، مهما كان حجمه، الحق في أن يغير مستقبل السودان الديموغرافي من أجل مكسب انتخابي؟
إن الوطن ليس ملكاً للحكومة المؤقتة، ولا للحزب الحاكم، ولا للحركة المسلحة، ولا لقبيلة، ولا لجماعة.
الوطن ملك للأجيال القادمة أيضاً.
والأخطر أن بعض الدول والجماعات الإقليمية أصبحت تتعامل مع السودان باعتباره مساحة مفتوحة يمكن تصدير الأزمات البشرية إليها.
تتحدث بعض القوى عن حواضن وامتدادات داخل السودان، وتتحرك شبكات الهجرة والاستيطان والتمويل في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة الحدود وضعف مؤسسات الدولة.
وسط كل ذلك، يقف السودان للأسف بلا سياسة واضحة تحمي حدوده، ولا قاعدة بيانات مكتملة، ولا رقابة صارمة على ملف الجنسية.
بل إننا نعيش في زمن أصبح فيه التحقق من هوية المواطن السوداني نفسه أمراً صعباً في بعض المناطق، بسبب الحروب والنزوح وفقدان الوثائق وتعدد الجهات المسيطرة وضعف مؤسسات السجل المدني.
فكيف نفتح باباً بهذا الحجم بلا رقابة صارمة؟
الجنسية ليست ملفاً هامشياً.
إنها أمن قومي.
وهي قضية سيادة.
وهي قضية انتخابات.
وهي قضية أرض وموارد.
وهي قضية هوية ومستقبل.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من العبث، فقد دفع ثمناً باهظاً لتسييس القبيلة، وتسييس الدين، وتسييس السلاح، وتسييس الاقتصاد. ولم يبقَ إلا أن نسيّس الجنسية نفسها ونضع الوطن كله في المزاد!
المطلوب اليوم ليس خطاب كراهية ضد الأجانب، ولا تحريضاً ضد الشعوب الإفريقية، ولا دعوة إلى العنصرية. المطلوب ببساطة هو:
* وقف أي تجنيس سياسي أو استثنائي خارج القانون.
* مراجعة كل حالات التجنيس التي تمت خلال الفترات الاستثنائية.
* إنشاء لجنة وطنية مستقلة تضم القضاء والقانون والسجل المدني والأجهزة المختصة.
* حماية حق الإقامة والعمل للاجئين والمقيمين وفق القانون، دون خلط ذلك بحق الجنسية.
* تجريم الاتجار بالجنسية وتشديد العقوبات على الوسطاء والمسؤولين المتورطين.
* بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة تمنع التلاعب والتزوير والازدواجية.
* اعتبار أي تغيير ديموغرافي مصطنع قضية تمس الأمن القومي والسيادة الوطنية.
السودان لن ينهض بدولة بلا حدود، ولا بسيادة بلا قانون، ولا بمواطنة تباع وتشترى في سوق السياسة.
إن من يمنح الجنسية اليوم لمصلحة حزبه، قد يكتشف غداً أنه باع جزءاً من مستقبل الوطن. ومن يفتح الباب للتجنيس من أجل مكسب عسكري أو انتخابي، قد يندم حين تصبح الدولة نفسها رهينة لقوى صنعها الطمع السياسي.
الجنسية السودانية ليست ورقة انتخابية، وليست مكافأة حرب، وليست سلعة في يد الفاسدين.
إنها شرف الانتماء إلى وطن.
فإذا هانت الجنسية، هانت الهوية.
وإذا هانت الهوية، أصبح الوطن نفسه قابلاً للبيع.
ومن يَهُن يسهل الهوان عليه
ما لجرحٍ بميتٍ
