استراتيجية الخيانة: كيف أهدر الإقليمُ أمنَهُ القومي على أعتاب السودان؟ د. إسماعيل الحكيم
استراتيجية الخيانة: كيف أهدر الإقليمُ أمنَهُ القومي على أعتاب السودان؟
د. إسماعيل الحكيم
لم تكن الحربُ التي اندلعت في السودان نزاعاً عابراً على السلطة، ولكنها كانت الزلزالَ الجيوسياسي الذي ارتحت له أركان القارة الأفريقية، والمحكَّ الصادم الذي عرّى قصر النظر الاستراتيجي لدى عواصم الجوار. التي توهمت أن استنزافَ الخرطوم أو تفكيكَ مؤسساتها هو جولةٌ سهلة في سوق المزايدات السياسية، فاتخذت من أراضيها ومطاراتها ممراتٍ لوجستية لتموين المليشيا، وأقامت منصاتٍ لإضفاء الشرعية على مشروعٍ يهدد بابتلاع الإقليم بأكمله. وقد غاب عن هذه الحكومات أن السودان لم يكن يوماً كياناً هامشياً على الخارطة، وإنما كان – ولا يزال – الصفيحةَ التكتونية التي يرتكز عليها استقرارُ البحر الأحمر، وأمنُ حوض النيل، والتوازنُ الديموغرافي الممتد من القرن الأفريقي إلى عمق الساحل والصحراء.
إن الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه هذا الجوار لا يتوقف عند حدود الانتهاك السياسي، بل يمتد لنسف منظومة الأمن القومي الموحد؛ إذ إن تسهيل تدفق السلاح والمرتزقة عبر الحدود خلق حزاماً أمنياً مفخخاً سيعود بالوبال على هذه الحكومات نفسها حين ترتدُّ إليها موجاتُ الفوضى والعصابات العابرة للحدود. وفي الوقت الذي كان فيه السودان يمثل صمام الأمان والموازن الرئيسي في ملف المياه والرياح الجيوسياسية المطلة على شريان التجارة العالمية في البحر الأحمر، أدى التواطؤ الإقليمي إلى تعريض هذه الممرات المائية لتهديداتٍ وجودية، جاعلاً منها ساحةً مفتوحة لصراعات نفوذٍ دولية تعبث بسلامة الملاحة وتضرب الاستقرار المائي والغذائي للمنطقة في مقتل.
غير أن الرهان الإقليمي الغاشم اصطدم بجدارٍ صلب لم تحسب له العواصم المتآمرة حساباً؛ إذ أدت هذه الهجمة الوجودية إلى انصهارٍ مجتمعي تاريخي تجسد في هتاف العقيدة الوطنية: جيش واحد.. شعب واحد . إذ لم تعد المعركة مناورةً تنحصر في الميادين العسكرية، لكنها أصبحت ملحمة شعبية التحمت فيها الإرادة الوطنية مع مؤسسات الدولة لحماية البقاء. هذا الاصطفاف الشعبي الحاسم أعاد تشكيل الوعي الجمعي، ليتحول الرفض الجماهيري للتدخلات الخارجية إلى ظهيرٍ قوي يسند الدبلوماسية السودانية الصارمة، والتي بدأت بالفعل في تجريد محاور الشر الإقليمية من أوراقها، وعزلها في المحافل الدولية عبر تعرية أدوارها المباشرة في دعم الإرهاب والاستنزاف.
لن يرحم المستقبل القريب هذه الاستجابات القاصرة؛ فما إن تتشكل ملامحُ الدولة السودانية القادمة على قاعدة التعافي والسيادة، حتى تجد هذه الدول نفسها أمام استحقاقاتٍ صعبة وخسائر غير قابلة للترميم. فلن تكون الموانئُ السودانية، ولا خطوط الإمداد، ولا الممراتُ الجوية متاحةً لمن استثمر في الفوضى، إذ سينتقل السودان وباذن الله نهائياً من مربع “الجار المتسامح” إلى مربع “الدولة الحازمة”، ليُعيد صياغة خارطة المصالح المشتركة وفق عقيدةٍ جديدة تُعلي الأمن القومي فوق كل اعتبار، وتجعل المعاملة بالمثل هي الحاكم الأول للعلاقات في المنطقة.
