البعد_الاخر مصعب بريــر نبضٌ يقهر المستحيل: الهلال الأحمر السوداني يُتوّج بجائزة العالم للإسعافات ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
نبضٌ يقهر المستحيل: الهلال الأحمر السوداني يُتوّج بجائزة العالم للإسعافات ..!
هل لاحظت يوماً أننا في زحمة البحث عن الخلاص، غالباً ما ننسى الأيادي التي تمسح على الجراح؟ في بلادنا، يعلو دائماً صوت الرصاص، وصوت السياسة، وصوت الشكوى، بينما يتحرك من ينقذون حياتنا في صمت تام، كأنهم ظلال خفيفة تمر في العتمة لترمم ما أفسده النهار، ولا ننتبه إليهم إلا حين يصفق لهم الغرباء.
هذا ليس حديثاً عن مثاليات غائبة، بل هو عن واقع عشناه بالأمس القريب. ما يحدث باختصار، هو أننا في ذروة أوجاعنا وانشغالنا بشتاتنا، نتلقى خبراً يبدو وكأنه نبت في غير موسمه؛ جمعية الهلال الأحمر السوداني تتعافى، وتنتزع المركز الثاني عالمياً في بطولة كأس العالم للإسعافات الأولية. تحت قيادة الدكتور عبد الرحمن بلال بالعيد، ينهض هذا الكيان الإنساني من بين ركام التحديات ليقول لنا بوضوح إن نبض هذه البلاد لم يتوقف بعد.
السبب الظاهر للفرحة هنا يراه الجميع؛ شبابنا تفوقوا. الدكتورة روان، قائدة الفريق، والأستاذ أحمد مدثر، وبقية العقد الفريد، رفعوا اسم السودان عالياً. النتيجة المباشرة والطبيعية هي هذه التبريكات التي تتدفق من الفروع، كرسائل الفخر التي بعث بها فرع الولاية الشمالية، وتهنئة العميد الرشيد الأمين من ولاية الخرطوم. لكن دعونا نغوص أعمق قليلاً ونفتح هذا الصندوق. ما لا يُرى في هذا الكأس اللامع، هو أنه يمثل “عافية مؤسسية” تقاوم الانهيار. هذا الإنجاز يكشف أن الخلل لم يكن يوماً في كفاءة الإنسان السوداني، بل في غياب الإدارة التي تحتويه. عندما تعافت مؤسسة الهلال الأحمر، تعافى معها الإنجاز، وولد هذا الانتصار ليثبت أن التميز ليس صدفة، بل هو ثمرة للتدريب والانضباط.
طيب، ماذا يعني هذا للمواطن العادي؟ للأب النازح في مدرسة، أو للأم التي تحرس أطفالها في أطراف المدن؟ هذا يعني أن المسعف الذي يطرق بابك في أسوأ لحظات حياتك، ليس مجرد متطوع يملك النوايا الحسنة، بل هو كادر مصنف عالمياً يتفوق على دول مستقرة ومترفة. لكن هنا تبرز المفارقة الموجعة؛ هذا يشبه تماماً الرجل الذي يمتلك أمهر الأطباء في بيته، لكنه يبخل عليهم بشراء الشاش المعقم. كيف نملك أعظم الكوادر، ولا نلتفت لدعم هذه المؤسسة العريقة وإسنادها إلا حين تأتينا بالجوائز؟
يرى البعض أن نهضة الهلال الأحمر السوداني هي مسؤولية المنظمات الدولية الداعمة، ولكن ألا يتحمل المجتمع والدولة جزءاً أصيلاً من إسنادها؟ كيف استطاعت بعض الدول جعل الهلال الأحمر أعظم جمعية إنسانية لديها؟ الإجابة بسيطة: لم يتعاملوا معه كـ “عجلة احتياطية” تُستدعى وقت الحوادث، بل كخط دفاع أول للوطن يُدعم بالمال، والتشريعات، والاحترام. لكي نجعل هلالنا الأحمر متميزاً ومستداماً، يجب أن يتحول التطوع من مجرد فزعة عاطفية، إلى مشروع قومي تتبناه الدولة ويفخر به المواطن كل يوم، لا في مواسم البطولات فقط.
وهنا تتجمع كل هذه الخيوط، بين وطن ينزف وشباب يصعدون منصات التتويج، لتطرح علينا سؤالاً لا يقبل التأجيل، وتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة لا يمكننا التهرب منها ونحن نحدق في وجوه هؤلاء الأبطال.
بعد اخير :
خلاصة القول، نحن أمة تتقن للأسف صناعة الجراح، لكنها لحسن الحظ لا تزال تنجب من يتقن إيقاف النزيف؛ المشكلة أننا نترك مسعفينا يداوون جراحنا بأظافرهم العارية، ثم نصفق متعجبين كيف استطاعوا النجاة والفوز.
أخيرًا، الكأس الذي عاد به فريق الإسعافات الأولية ليس مجرد جائزة نضعها في واجهة زجاجية ونمضي، بل هو تحذير أخير؛ إذا لم نلتف اليوم حول مؤسساتنا التي تصنع الحياة لندعمها ونحميها، فسنبقى طويلاً ننتظر من يسعفنا.. في وطنٍ ينزف حتى وهو ينتصر.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
