معركة الكرامة تبدأ من الراتب. د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.. هل يعقل ان يصبح راتب الموظف في الدولة أقل من ثمن أسطوانة غاز؟.
معركة الكرامة تبدأ من الراتب.
د. حيدر البدري.. يكتب في
نقطة سطر جديد..
هل يعقل ان يصبح راتب الموظف في الدولة أقل من ثمن أسطوانة غاز؟.
ليست «معركة الكرامة» بندقيةً تُحمل على الكتف فحسب، ولا جبهةً تُرسم على الخريطة، ولا انتصاراً عسكرياً يُحتفى به ثم ينتهي الأمر. الكرامة، في معناها الأوسع، هي أن يعيش المواطن في وطنه عزيزاً، وأن يجد ثمرة عمله في مأكله ومسكنه ودوائه وتعليم أبنائه، وأن يشعر بأن الدولة التي يطلب منه أن يدافع عنها لا تتركه وحيداً في مواجهة الفقر والأسعار والانهيار.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية، بعد أن تصمت البنادق، أو بالتوازي معها، هي معركة إصلاح حال الدولة نفسها: إصلاح الاقتصاد، وإصلاح الإدارة، وإصلاح الخدمة المدنية، وإصلاح منظومة الأجور والمخصصات، وإعادة بناء مفهوم العدالة الاجتماعية.
فما جدوى أن ينتصر الوطن على أعدائه إذا ظل الموظف فيه مهزوماً أمام احتياجات أسرته؟
السؤال اليوم ليس ترفاً سياسياً، وإنما سؤال عدالة وكرامة: كيف يعيش موظف حكومي براتب لا يكاد يقترب من مئة ألف جنيه – بحسب الأرقام المتداولة عن بعض الدرجات – في بلد أصبحت فيه كلفة المعيشة أعلى بكثير من قدرة الراتب على الاحتمال؟
إن راتباً بهذا الحجم لا يحتاج إلى دراسة اقتصادية معقدة لإدراك أزمته. يكفي أن ينظر صاحبه إلى أسعار الغذاء، والمواصلات، والدواء، والإيجار، والطاقة، والتعليم، ليكتشف أن راتبه لم يعد أجراً بالمعنى الاقتصادي، وإنما أصبح رقماً في كشف المرتبات لا يملك قدرة حقيقية على إعالة أسرة.
وفي المقابل، تثير التقارير الصحفية المتداولة عن مخصصات كبار المسؤولين سؤالاً أكثر إلحاحاً حول الفجوة بين قمة الجهاز التنفيذي والقاعدة العريضة للخدمة العامة.
فقد نشرت تقارير حديثة، نقلاً عن مقال للكاتب الصحفي الطاهر ساتي، أن راتب محافظ بنك السودان المركزي يبلغ نحو 44 مليون جنيه شهرياً، وأن الدولة تتحمل – وفق ما أورده الكاتب – نحو 50 مليون جنيه شهرياً لإيجار منزل المحافظ، فضلاً عن بدلات ومخصصات أخرى. كما تحدثت تقارير عن رقم سنوي إجمالي للراتب والمخصصات يصل إلى نحو 2.2 تريليون جنيه. وهذه الأرقام، حتى الآن، ينبغي التعامل معها بوصفها معلومات منسوبة إلى مصادر صحفية تحتاج إلى نشر المستندات الرسمية التي تؤكدها أو تنفيها، لا باعتبارها أرقاماً حكومية معلنة بصورة نهائية.
لكن حتى بعيداً عن صحة كل رقم من هذه الأرقام، فإن مجرد تداولها على نطاق واسع يكشف عن أزمة أكبر: أزمة الثقة في منظومة الأجور والمخصصات العامة.
فالمشكلة ليست في أن يتقاضى المسؤول الكبير أجراً يتناسب مع مسؤولياته وخبرته وموقعه. هذا أمر طبيعي في أي دولة حديثة. وليست العدالة أن يحصل الوزير أو المحافظ أو المدير العام على الراتب نفسه الذي يحصل عليه الموظف المبتدئ.
العدالة الحقيقية هي أن تكون الفوارق مفهومة، ومبررة، ومعلنة، ومتناسبة مع المسؤولية، وخاضعة للمراجعة والمساءلة.
أما أن يكون هناك موظف في الدرجات العليا للسلم الوظيفي عاجزاً عن توفير الضروريات، بينما تتسع في قمة الهرم رواتب ومخصصات وبدلات لا يستطيع المواطن العادي حتى معرفة أساسها، فهنا تتحول المسألة من تفاوت وظيفي طبيعي إلى سؤال أخلاقي وسياسي عن معنى الدولة.
المشكلة السودانية ليست في الراتب وحده.
فقد أصبح من الضروري أن نفتح ملفاً كاملاً اسمه: «تكلفة المسؤول العام».
كم يبلغ الراتب؟ كم تبلغ البدلاتت.. كم تبلغ الحوافز؟ من يدفع السكن؟
من يدفع الكهرباء والوقود؟ ما تكلفة العلاج؟ هل توجد سيارات حكومية؟ كم تبلغ تكلفة الوقود والصيانة؟ هل هناك تذاكر سفر ومهمات خارجية؟ هل توجد مكافآت موسمية؟ هل توجد رواتب إضافية عند الإجازات أو المناسبات؟ وما الأساس القانوني لكل ذلك؟.
هذه الأسئلة ليست تشفياً في المسؤولين، وإنما هي من صميم المال العام والشفافية والمساءلة.
فالمواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم ويعمل في مؤسسات الدولة ويكابد الغلاء، من حقه أن يعرف كيف تُدار أموال الدولة.
هناك خطأ كبير في النظر إلى موظفي الخدمة المدنية باعتبارهم مجرد بند في الموازنة.
المعلم الذي يذهب إلى المدرسة، والطبيب الذي يعالج المرضى، والمهندس الذي يشرف على المنشآت، والموظف الذي ينظم معاملات الناس، والعامل الذي يحافظ على المرفق العام؛ كل هؤلاء هم الدولة في صورتها اليومية.
وعندما يشعر هؤلاء بأن رواتبهم لا تكفي، وأن المخصصات تذهب إلى طبقات أخرى داخل الجهاز نفسه، فإن الضرر لا يقع عليهم وحدهم.
إنه يضرب الإنتاجية، ويضعف الانتماء للمؤسسة، ويفتح الباب أمام الفساد والرشوة والبحث عن مصادر دخل بديلة، ويجعل الوظيفة العامة أقل جاذبية للكفاءات.
والدولة التي لا تستطيع أن تمنح موظفها حياة كريمة، قد تجد نفسها بعد سنوات أمام جهاز إداري ضعيف، وكفاءات مهاجرة، وخدمات متدهورة، ومؤسسات لا تعمل بالكفاءة المطلوبة.
من المهم هنا ألا نقع في خطاب شعبوي سهل يقول: «فلنخفض رواتب الكبار حتى يتساوى الجميع». هذه ليست هي العدالة.
فنحن لا نحتاج إلى مساواة في الفقر، وإنما إلى عدالة في توزيع الموارد.
المسؤول الذي يتحمل مسؤولية مؤسسة اقتصادية كبرى قد يستحق راتباً مرتفعاً، لكن الراتب يجب أن يكون مرتبطاً بنظام واضح، لا بقرارات غامضة أو عقود لا يعرف الناس عنها شيئاً.
وإذا كان هناك سبب موضوعي يجعل مسؤولاً يتقاضى عشرات الملايين، فيجب أن يكون هذا السبب قابلاً للشرح أمام الرأي العام والجهات الرقابية.
فالشفافية لا تعني أن يكون الجميع متساوين في الرواتب؛ وإنما تعني أن يعرف الجميع لماذا لا يتساوون.
فالكرامة الاقتصادية جزء من الأمن القومي
نقطة سطر جديد.
