حين يضع المقاتل سلاحه.. تبدأ أخطر معارك الدولة ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
حين يضع المقاتل سلاحه.. تبدأ أخطر معارك الدولة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

في الحروب، قد يكون إسكات البندقية أسهل من تفكيك ما صنعته البندقية في النفوس والشبكات والمصالح والولاءات. ولهذا تعلمت الدول التي خرجت من النزاعات المسلحة أن نهاية القتال ليست بالضرورة بداية السلام، وأن المقاتل الذي يخلع زيه العسكري لا يتحول تلقائيا إلى مواطن مستقر بمجرد أن يسلم سلاحه.
من هنا تبرز واحدة من أعقد قضايا ما بعد الحرب: كيف تتعامل الدولة مع العناصر المنشقّة عن التشكيلات المسلحة والمقاتلين الذين يسلّمون أنفسهم؟
التجارب الدولية تقدم إجابة واضحة: لا ثقة مجانية، ولا إدانة جماعية.
في أدبيات الأمم المتحدة ظهرت منظومة تعرف بـ DDR، أي نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. وهي تقوم على فلسفة أعمق من مجرد جمع البنادق؛ فالمطلوب هو تفكيك العلاقة بين المقاتل والسلاح، وبين الفرد والشبكة المسلحة، ثم مساعدته على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى الحياة المدنية.
وقد برز هذا النموذج في سيراليون وليبيريا بعد سنوات من الحروب الأهلية. وأظهرت التجربتان أن جمع السلاح وحده لا يصنع السلام. فالمقاتل الذي يخرج من المعسكر بلا تعليم ولا عمل ولا مستقبل قد يصبح عرضة للتجنيد مجددا، أو للجريمة المنظمة، أو للعودة إلى شبكات العنف.
أما كولومبيا، وبعد اتفاق السلام مع حركة «فارك» عام 2016، فقد قدمت درسا أكثر تعقيدا: المصالحة لا تعني النسيان، والسلام لا يعني الإفلات من المسؤولية. فقد ارتبطت إعادة دمج المقاتلين بمسارات للعدالة الانتقالية وكشف الحقيقة ومساءلة من تثبت مسؤوليتهم عن الانتهاكات الجسيمة.
وهذه قاعدة يجب أن تكون حاضرة في أي تجربة سودانية:
التسليم لا يمحو الجريمة، والانشقاق لا يمنح حصانة تلقائية.
وفي المقابل، فإن العدالة نفسها لا تعني الإدانة الجماعية. فليس كل من حمل السلاح متساويا في المسؤولية. هناك قائد أصدر الأوامر، وهناك من شارك مباشرة في جريمة، وهناك مقاتل عادي، وهناك من ربما جند قسرا أو اندفع تحت ظروف استثنائية. والدولة العادلة تميز بين هؤلاء بالقانون والمعلومة والتحقيق، لا بالانفعال.
وهنا يأتي مفهوم دولي آخر بالغ الأهمية: التدقيق الأمني Vetting.
فمن يسلم نفسه ينبغي أن يخضع للتحقق من هويته، وتاريخه القتالي، وتسلسل قيادته، وعلاقاته السابقة، ومصادر تمويله، وما إذا كانت له صلة بجرائم أو شبكات ما زالت ناشطة. ولا ينبغي أن يكون مجرد الانشقاق جسرا مباشرا إلى مؤسسة عسكرية أو أمنية حساسة.
ويتصل بذلك مفهوم إصلاح القطاع الأمني SSR. فالدولة التي تخرج من الحرب لا تحتاج فقط إلى معالجة المقاتلين السابقين، بل إلى حماية مؤسساتها من انتقال الولاءات القديمة وشبكات المصالح إليها. وإعادة تدوير التشكيلات المسلحة داخل أجهزة الدولة دون تفكيك بنيتها الفكرية والتنظيمية قد تعني ببساطة نقل الأزمة من خارج المؤسسة إلى داخلها.
ومن التجارب التي ينبغي قراءتها بحذر تجربة العراق بعد عام 2003. فقد ساعد الإقصاء المؤسسي الواسع لقطاعات من العسكريين وموظفي الدولة السابقين على خلق كتلة من الرجال المدربين خارج مؤسسات الدولة، واستفادت جماعات مسلحة ومتطرفة لاحقا من جانب من ذلك الغضب والفراغ. والدرس هنا ليس تبرئة أحد، وإنما التحذير من أن الإقصاء الأعمى قد يكون خطرا بقدر خطورة الاستيعاب الأعمى.
أما رواندا، فقد أظهرت أن ما بعد الحرب يحتاج إلى مزيج من العدالة والمصالحة وإعادة التأهيل وإعادة بناء علاقة المواطن بالدولة.
إذن، ما الذي يحتاجه السودان؟
يحتاج إلى سياسة وطنية واضحة تبدأ بنزع السلاح، ثم الفرز الأمني والقانوني، والتحقيق في المسؤولية الفردية، ثم تصنيف الحالات، وإعادة تأهيل من يصلح للعودة إلى الحياة المدنية، مع برامج اقتصادية ونفسية واجتماعية تمنع إعادة إنتاج المقاتل.
أما مرتكبو الجرائم الجسيمة، فمكانهم أمام العدالة.
والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب هي:
المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، والعدالة لا تعني الإدانة الجماعية.
فالحرب لا تنتهي حين يصمت السلاح، وإنما حين تستعيد الدولة احتكار القوة المشروعة، ويتحول الإنسان من تابع لشبكة مسلحة إلى مواطن تحكم علاقته بالدولة الحقوق والواجبات والقانون.
ولهذا، فالسؤال الأخطر ليس:
كم مقاتلا سلم سلاحه؟
بل:
هل استطاعت الدولة أن تنزع الحرب من داخله بعد أن نزعت السلاح من يده؟
هناك تبدأ معركة السلام الحقيقية.
