منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

إحياء الحركة التعاونية في السودان (9) ثقافة التعاون… لماذا ننجح كأفراد ونفشل أحيانًا كمجموعة؟ من عقلية الفرد إلى روح الفريق بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

0

إحياء الحركة التعاونية في السودان (9)
ثقافة التعاون… لماذا ننجح كأفراد ونفشل أحيانًا كمجموعة؟
من عقلية الفرد إلى روح الفريق
بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

في الحلقات السابقة من هذه السلسلة تحدثنا عن التعاونيات وأهميتها، وعن تجارب بعض الدول، وعن الإدارة الرشيدة، ورأس المال، والتسويق، والتصنيع والقيمة المضافة،
لكن بعد كل ذلك يبقى سؤال ربما يكون أعمق من كل الأسئلة السابقة:
هل المشكلة في التعاونيات نفسها، أم في قدرتنا نحن على التعاون؟فقد نمتلك الأرض والمال والخبرة والمشروع، ونضع نظامًا ولوائح، ثم تتعثر الجمعية بسبب خلافات بين الأشخاص ،وقد يبدأ مجموعة من الناس مشروعًا بحماس كبير، ثم ما أن تظهر الأرباح أو الخلافات أو اختلاف المصالح حتى يبدأ التباعد، وربما ينتهي المشروع كله ، وهنا نصل إلى موضوع هذه الحلقة:
*ثقافة التعاون لماذا ينجح الفرد ونفشل كمجموعة؟
السوداني بطبيعته الاجتماعية ليس بعيدًا عن التعاون، ففي قرانا ومدننا عرف الناس منذ زمن بعيد الفزعة والنفير والعون المتبادل، وتعاونوا في الأفراح والأتراح، وفي حفر الآبار وبناء المساجد والمدارس، وفي كثير من شؤون الحياة.
فأين المشكلة إذن؟
ربما لأن التعاون الاجتماعي شيء، والتعاون الاقتصادي المؤسسي شيء آخر في التعاون الاجتماعي قد أساعدك اليوم لأنك تحتاجني، ولا أنتظر منك عائدًا ماليًا.
أما في الجمعية التعاونية، فهناك مال وملكية وأرباح وحقوق والتزامات وقرارات ومصالح مختلفة وهنا تظهر الحاجة إلى ثقافة جديدة:
أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نحاسب دون أن نعادي، وأن ننجح معًا دون أن يشعر أحد بأن نجاح الآخر خصم من نجاحه عندما تصبح المساهمة مصدرًا للنفوذ من المشكلات التي يمكن أن تواجه العمل التعاوني أن يعتقد صاحب المساهمة الأكبر أنه يجب أن يكون صاحب القرار الأكبر وهذا ما ناقشناه في الحلقة الخامسة لكن الجمعية التعاونية ليست مجرد تجمع لرؤوس الأموال.
فقد يكون أحد الأعضاء أكثر مالًا، بينما يكون عضو آخر أكثر خبرة في الزراعة، أو المحاسبة، أو الإدارة، أو التسويق ولهذا فإن المؤسسة التعاونية تحتاج إلى توزيع الأدوار وفق الكفاءة والخبرة، مع احترام حقوق الملكية وفق النظام.
فالمال مهم، لكن المال وحده لا يصنع الإدارة الناجحة اختلاف الرأي ليس مشكلة من أخطر الأخطاء أن نعتبر اختلاف الرأي خلافًا شخصيًا في أي جمعية ناجحة ستجد آراء مختلفة.
واحد يريد التوسع.
وآخر يريد التريث.
واحد يرى الاستثمار في الزراعة.
وآخر يراه في التصنيع.
وآخر يريد الاحتفاظ بالسيولة.
هذه الاختلافات طبيعية.
بل يمكن أن تكون مفيدة إذا كانت تناقش داخل المؤسسة.
المشكلة ليست في اختلاف الرأي، وإنما في طريقة التعامل معه فإذا أصبح من يخالفني خصمًا، بدأت الجمعية تفقد قدرتها على التفكير أما إذا اعتبرت رأيه فرصة لاختبار رأيي، فإن الاختلاف يصبح مصدر قوة من الخلاف إلى الخصومةفي بعض البيئات الاجتماعية قد يبدأ الخلاف حول مشروع أو قرار إداري، ثم يتحول تدريجيًا إلى خلاف شخصي وبعدها قد تدخل الأسرة أو المنطقة أو العلاقات الاجتماعية في الموضوع فتصبح المسألة:
فلان مع فلان بدل أن تكون:
أي الرأيين أفضل للجمعية؟
وهنا يبدأ الخطر.
فالجمعية التي تقسم أعضاءها إلى معسكرات قد تبقى قائمة على الورق، لكنها تفقد روحها ولهذا نحتاج إلى قاعدةواضحة:
نختلف داخل الجمعية على الأفكار، ولا نختلف خارجها على الأشخاص الاستقطاب الجهوي والسياسي الجمعية التعاونية ينبغي أن تكون مساحة تجمع الناس حول مصلحة اقتصادية مشتركة لكن عندما تدخل الاستقطابات السياسية أو الجهوية أو القبلية في عمل الجمعية، فإن الهدف الأصلي قد يتراجع أمام الولاءات الأخرى ليس المطلوب أن يكون أعضاء الجمعية متشابهين في آرائهم أو انتماءاتهم الاجتماعية بل المطلوب أن يكون لديهم هدف اقتصادي مشترك فالعضو عندما يدخل الجمعية يجب أن يدخل بصفته:
منتجًا أو مستهلكًا أو مستثمرًا أو مستفيدًا،لا بصفته ممثلًا لمعسكر أو جماعة، مشكلة الأرباح السريعة:هناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية:بعض الأعضاء يدخلون الجمعية وهم ينظرون إلى الأرباح قبل أن ينظروا إلى بناء المؤسسة.
يريد أن يضع مساهمته اليوم ويحصل على عائد سريع غدًا.
لكن المؤسسة الاقتصادية تحتاج إلى وقت فالمصنع يحتاج إلى سنوات حتى يستقر.
والمزرعة تحتاج إلى وقت حتى تنتج.والمخزن يحتاج إلى إدارة وسوق.والعلامة التجارية تحتاج إلى سنوات حتى تكتسب ثقة المستهلك.لذلك فإن ثقافة التعاون تحتاج إلى الصبر على الاستثمار.فليس كل ربح يجب أن يوزع.أحيانًا يكون أفضل ربح يحصل عليه العضو هو أن تكبر قيمة الجمعية وأصولها.حين ينجح أحد الأعضاء هناك اختبار مهم جدًا لثقافة المجموعة:
ماذا يحدث عندما ينجح أحد أعضائها؟
هل نفرح بنجاحه ونعتبره نجاحًا للجمعية؟أم نبدأ في الشك فيه؟
هل حصل على شيء لا يستحقه؟هل استفاد أكثر منا؟
هل يجب إيقافه؟المؤسسة الناجحة هي التي تستطيع أن تفرق بين المنافسة الصحية والحسد أو الصراع الشخصي.
فإذا نجح عضو في تطوير مشروعه، فقد يكون ذلك دليلًا على أن الجمعية وفرت له البيئة المناسبة.ويمكن أن يتحول نجاحه إلى نموذج يستفيد منه الآخرون.
المحاسبة ليست عداوة
من أكثر الأمور التي تضعف المؤسسات أن يصبح طلب الحساب أو السؤال عن المال وكأنه اتهام لكن في العمل المؤسسي:
السؤال حق، والإجابة واجب.
إذا سأل عضو عن المصروفات أو الأرباح أو الاستثمارات، فلا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مشاغب بل ربما يكون هو العضو الذي يحمي الجمعية.
وفي المقابل، فإن المحاسبة يجب أن تكون موضوعية، لا وسيلة لتصفية الحسابات وهنا نحتاج إلى ثقافة جديدة:
نحاسب الشخص على عمله، لا على موقفه منا.
الثقة وحدها لا تكفي
قد يقول البعض: نحن أهل وأصدقاء، فلماذا نحتاج إلى عقود وحسابات ومراجعة؟
والجواب:
لأن الحفاظ على العلاقة الطيبة يحتاج إلى نظام فاللوائح والعقود والحسابات ليست دليلًا على انعدام الثقة، بل وسيلة لحمايتها كم من شراكة بدأت بين أصدقاء وانتهت بسبب المال؟
وكم من علاقة أسرية تضررت بسبب مشروع لم تكن فيه الحقوق والالتزامات واضحة؟
لذلك فإن أفضل طريقة لحماية العلاقات هي:
أن نكتب كل شيء بوضوح منذ البداية ماذا نتعلم من تجربة آبائنا؟
عندما تحدثنا عن تعاونيات المراكب والبصات والدكاكين التي أنشأها آباؤنا، كان هناك درس مهم يجب ألا ننساه كانت الإمكانات محدودة.
لكن الناس كانوا يعرفون أنهم يحتاجون إلى بعضهم فاجتمعوا على الحاجة، ووضع كل واحد منهم ما يستطيع، واستفاد الجميع من المشروع.
لم يكن المال وحده هو الذي جمعهم كانت الحاجة والثقة وصدق العزيمة هي رأس المال الحقيقي.لكن علينا ألا نكتفي بالحنين إلى تلك التجارب.
فالمطلوب أن نأخذ منها روحها، ونضيف إليها أدوات الإدارة الحديثة.كيف نبني ثقافة تعاونية جديدة؟
يمكن أن تبدأ الثقافة التعاونية من خطوات بسيطة لكنها عميقة:
أولًا: اختيار الأعضاء على أساس وضوح الهدف.ليس المهم أن يكون عدد الأعضاء كبيرًا، وإنما أن يكونوا مؤمنين بفكرة الجمعية.
ثانيًا: الاتفاق على القواعد قبل بدء المشروع من يقرر؟ من يدير؟ كيف توزع الأرباح؟ كيف تتم المحاسبة؟ وكيف يخرج العضو؟
ثالثًا: احترام الكفاءة.
من يملك الخبرة يجب أن يوضع في المكان الذي يستطيع أن يخدم فيه الجمعية، بغض النظر عن حجم مساهمته.
رابعًا: الفصل بين العلاقات الشخصية والعمل.
قد أختلف معك كصديق، لكن ذلك لا يعني أن أرفض رأيك المهني.
خامسًا: الشفافية.
كلما كانت المعلومات متاحة للأعضاء، قلت مساحة الشائعات والشكوك.
سادسًا: تعليم الأعضاء.
فالعضو الذي لا يعرف حقوقه وواجباته قد يضر الجمعية دون أن يقصد من عقلية الفرد إلى روح الفريق نحن لا نريد أن نلغي الفرد بل نريد أن نجعل قوة الفرد جزءًا من قوة المجموعة المزارع الماهر يضيف خبرته والمحاسب يضيف علمه.والمهندس يضيف تخصصه.والمستثمر يضيف رأس ماله.والمسوق يضيف علاقاته وخبرته.وعندما تجتمع هذه القدرات تحت إدارة رشيدة وهدف واضح، تصبح الجمعية أكبر من مجموع أعضائها.وهذه هي روح العمل التعاوني.
كلمة أخيرة
ربما لا يكون أكبر عائق أمام نهضة التعاونيات في السودان هو نقص المال، ولا نقص الموارد، ولا حتى نقص الخبرات.ربما يكون التحدي الأكبر هو:هل نستطيع أن نعمل معًا؟هل نستطيع أن نثق ببعضنا؟هل نستطيع أن نختلف دون أن نتخاصم؟هل نستطيع أن نحاسب دون أن نسيء؟
هل نستطيع أن نفرح بنجاح الآخر؟هل نستطيع أن نقدم مصلحة المؤسسة على مصلحتنا الشخصية عندما تتعارض المصالح؟إذا استطعنا ذلك، فإن بناء جمعية تعاونية ناجحة يصبح أكثر سهولة.
أما إذا دخلنا الجمعية بعقلية:
“ماذا سأحصل أنا؟”
فقد تتحول الجمعية إلى ساحة صراع.لكن إذا دخلناها بعقلية:
“ماذا نستطيع أن نبني معًا؟” فإننا نكون قد بدأنا بالفعل في بناء مؤسسة قابلة للحياة.
“التعاون ليس أن نجتمع حول المال، وإنما أن نجتمع حول هدف، ونختلف في الرأي، ونتفق على المصلحة.”

المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
abdulkarim.jalhassan@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.