مِنْ حَرْقِ العُمْلَةِ إِلَى حَرْقِ الوَطَنِ… مَنْ يُطْفِئُ نَارَ الخِصَامِ السِّيَاسِيِّ فِي السُّودَان؟! متى نتعلم أن الوطن أكبر من الجميع؟ بقلم : حسبو علي بخيت
مِنْ حَرْقِ العُمْلَةِ إِلَى حَرْقِ الوَطَنِ… مَنْ يُطْفِئُ نَارَ الخِصَامِ السِّيَاسِيِّ فِي السُّودَان؟!
متى نتعلم أن الوطن أكبر من الجميع؟
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

ليس أخطر على الأوطان من عدوٍّ يهاجمها من الخارج، إلا خصومة سياسية عمياء تجعل أبناء الوطن يهدمون بأيديهم ما عجز الأعداء عن هدمه.
والسودان، منذ فجر استقلاله، لم يكن فقيراً في الموارد، ولا عقيماً في العقول، ولا عاجزاً عن صناعة دولة عظيمة. لكنه ظل، بصورة مؤلمة، أسيراً لمرض سياسي مزمن: الخصومة من أجل الخصومة، والغلبة من أجل الغلبة، وإقصاء الآخر بدلاً من إدارة الاختلاف معه.
منذ الاستقلال، تتغير الحكومات، وتسقط الأنظمة، وتتبدل الشعارات، بينما يبقى السؤال ذاته واقفاً أمامنا كشاهد على جدار التاريخ:
لماذا عجزنا عن الاتفاق على كيفية إدارة وحكم السودان؟
حين احترقت العملة بسبب الخصومة
ولعل من أقدم المشاهد التي تختصر خطورة تغليب الخصومة السياسية على مصلحة الدولة، قصة إحراق أول عملة ورقية سودانية بعد الاستقلال عام 1956م.
فقد أُتلفت كمية كبيرة من الأوراق النقدية، قُدّرت بنحو أحد عشر طناً، في سياق الخلاف السياسي حول العملة وتوقيع رئيس الوزراء آنذاك السيد إسماعيل الأزهري، وما ارتبط بذلك من صراع سياسي مع حزب الأمة.
وبغض النظر عن تفاصيل الروايات المتداولة حول الحادثة، فإنها بقيت في الذاكرة السياسية السودانية رمزاً بالغ الدلالة: حين تتقدم الخصومة السياسية على مقتضيات الدولة، يمكن أن تتحول الخلافات من سجالات سياسية إلى خسائر مادية ووطنية.
وكأن التاريخ كان يرسل إلينا إنذاراً مبكراً: لا تجعلوا خلافاتكم السياسية تحرق مقدرات الدولة.
لكننا لم نقرأ الرسالة جيداً.
أكتوبر… الثورة التي أسقطت النظام ولم تُسقط الخصومة
جاءت ثورة أكتوبر 1964م، فخرج الشعب وأسقط نظام الفريق إبراهيم عبود، وفتح الباب أمام عودة الحكم المدني.
كان ذلك لحظة تاريخية عظيمة، وحّد فيها الشارع السوداني كلمته ضد الحكم العسكري.
لكن المفارقة الموجعة أن القوى السياسية التي توحدت لإسقاط النظام لم تستطع أن تتوحد بالقدر نفسه لبناء نظام سياسي مستقر.
فعادت الخصومات الحزبية، وتصاعد الصراع حول السلطة والدستور والهوية وقضايا الدين والدولة، واشتدت الانقسامات داخل الأحزاب نفسها.
وأصبح البرلمان، في كثير من الأحيان، ساحة للصراع السياسي أكثر من كونه مؤسسة لصناعة المستقبل.
وانتهى الأمر إلى حل البرلمان عام 1968م، وسط أزمة سياسية ودستورية متفاقمة.
وهكذا تحولت الديمقراطية الثانية إلى امتحان عسير لم تستطع النخب السياسية اجتيازه، وكانت الحكومات قصيرة العمر، والتحالفات سريعة الانهيار، والخصومات أقوى من التوافق.
ثم جاء انقلاب مايو 1969م ليغلق باب الديمقراطية مرة أخرى.
مايو… حين تحولت السياسة إلى صدام
جاء نظام جعفر نميري، وجاء معه فصل جديد من الصراع السياسي.
واجه النظام خصوماً من اتجاهات مختلفة؛ شيوعيين وأنصاراً وإسلاميين وقوى سياسية أخرى.
وفي يوليو 1971م وقعت محاولة انقلاب قادها ضباط مرتبطون بالحزب الشيوعي، قبل أن يستعيد نميري السلطة بعد أيام.
وقبل ذلك شهد عام 1970م صداماً دامياً في الجزيرة أبا بين قوات النظام والأنصار، ثم جاءت محاولة عام 1976م المسلحة ضد نظام مايو، قبل أن تفتح المصالحة الوطنية عام 1977م نافذة قصيرة على إمكانية تحويل الصراع إلى توافق.
لكن المشكلة السودانية ظلت قائمة:
نحن نتصالح عندما نعجز عن الحسم، ثم نختلف عندما نشعر أننا قادرون على الحسم!
وكأن السياسة عندنا لا تزال تُدار بمنطق الغالب والمغلوب، لا بمنطق الدولة التي تتسع للجميع.
أبريل… سقوط مايو، وبداية دورة جديدة
ثم جاءت انتفاضة أبريل 1985م، فسقط نظام مايو بعد احتجاجات شعبية واسعة، وأزمة اقتصادية وسياسية، وحرب متصاعدة في الجنوب.
وكان سقوط مايو فرصة جديدة لبناء دولة مختلفة.
لكن الخصومة السياسية لم تتوقف عند إسقاط النظام؛ بل امتدت إلى ما عُرف بمرحلة كنس آثار مايو، وشملت تفكيك مؤسسات وأجهزة مرتبطة بالنظام السابق.
وهنا يجب أن نتعلم درساً مهماً:
إسقاط النظام شيء، وبناء الدولة شيء آخر.
فالدولة لا ينبغي أن تُدار بمنطق الانتقام من الماضي، وإنما بمنطق الإصلاح المؤسسي والمحاسبة العادلة وحماية ما يصلح من مؤسساتها وخبراتها وكفاءاتها.
الديمقراطية الثالثة… فرصة أخرى ضاعت
دخل السودان الديمقراطية الثالثة، وكان السودانيون يأملون أن تكون هذه المرة مختلفة.
لكن المشهد السياسي سرعان ما عاد إلى الحلقة ذاتها:
حكومة… خصومة… تحالف… أزمة… إقصاء… ثم انقلاب.
وأصبح البرلمان، في نظر كثير من السودانيين، عنواناً لأزمة سياسية أكثر منه عنواناً للاستقرار.
وفي ظل هذا الاضطراب، جاء انقلاب 30 يونيو 1989م، لتدخل البلاد مرحلة جديدة امتدت لثلاثة عقود.
الإنقاذ… عندما انقسم رفاق الأمس
في بدايات عهد الإنقاذ، بدا أن الإسلاميين قد امتلكوا مشروعاً سياسياً متماسكاً، لكن الصراع الداخلي انتهى إلى الانقسام الشهير بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي.
وهنا ظهر وجه آخر من وجوه الخصومة السودانية:
خصومة رفاق الأمس.
تحول الخلاف السياسي بين الدكتور حسن الترابي ورفاقه من جهة، والرئيس عمر البشير وقيادات المؤتمر الوطني من جهة أخرى، إلى صراع طويل ترك آثاره على الدولة والمجتمع.
ثم جاءت أحداث أخرى لتكشف مدى خطورة انتقال الخصومة السياسية إلى العمل المسلح.
ففي عام 2008م دخلت قوات حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم إلى أم درمان في محاولة مسلحة للوصول إلى السلطة.
وكان خليل إبراهيم نفسه من أبناء الحركة الإسلامية، ومن الذين ارتبطوا في مرحلة سابقة بمشروع الإنقاذ.
وهنا تبرز المأساة:
كيف يمكن لرفاق مشروع واحد أن يتحولوا إلى خصوم يحمل بعضهم السلاح في وجه بعض؟
إنها ليست مجرد قصة أشخاص؛ إنها أزمة عقل سياسي لم يتعلم بعد كيف يدير الاختلاف دون أن يحوله إلى معركة كسر عظم.
سقوط الإنقاذ… ولم تسقط الخصومة
ثم سقط نظام الإنقاذ في أبريل 2019م، بعد احتجاجات شعبية واسعة، وتدخل المؤسسة العسكرية وانحيازها إلى مطالب الشارع.
لكن حتى لحظة سقوط النظام لم تخلُ من الصراع داخل مراكز السلطة نفسها.
وتعاقبت القيادات العسكرية، وشهدت البلاد مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، كان أبرز عناوينها غياب التوافق السياسي الحقيقي.
ثم برز الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيساً لمجلس السيادة، وكان «حميدتي» نائباً له.
وفي بدايات المرحلة كان الخطاب الرسمي يؤكد وجود التفاهم بين الرجلين.
لكن التفاهمات السياسية والعسكرية لم تصمد أمام تعقيدات السلطة ومراكز النفوذ والصراع على مستقبل الدولة.
حتى جاءت الطامة الكبرى: حرب 15 أبريل 2023م.
15 أبريل… التي حاول فيها (حميدتي) اختطاف الدولة السودانية بقوة السلاح. عندها أصبحت الخصومة حرباً على الوطن
ولم تعد القضية هذه المرة خلافاً داخل البرلمان، ولا صراعاً حزبياً، ولا انقلاباً عسكرياً محدوداً.
لقد تحولت الخصومة إلى حرب شاملة.
وانفجرت المواجهة بين القوات المسلحة السودانية (وملي-شيا الدعم السريع المتمردة)، فسقط آلاف القتلى والجرحى، ونزح الملايين، ودُمرت المدن والبنية التحتية، وانكمش الاقتصاد، وتفككت مؤسسات، وتعرض النسيج الاجتماعي السوداني لأقسى الاختبارات.
لقد دفع السودان ثمناً لا يمكن تقديره لخلافات سياسية وعسكرية تراكمت على مدى سبعون عاماً.
وهنا ينبغي أن نتوقف طويلاً أمام السؤال:
هل كان يمكن تجنب هذه الكارثة لو امتلكت النخبة السياسية والعسكرية السودانية شجاعة التوافق؟
قد تختلف الإجابات، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن السودان لم يعد يحتمل عقلية «إما أنا أو أنت».
كفى… الوطن ليس غنيمة
إلى متى سيظل الخلاف السياسي خصومة شخصية؟
وإلى متى تتحول الخصومة الشخصية إلى عداء وطني؟
وإلى متى يصبح إسقاط الخصم أهم من بناء الدولة؟
لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح:
كفى!
كفى أن يكون الحزب أهم من الوطن.
كفى أن يكون الزعيم أهم من المؤسسة.
كفى أن يكون الولاء أهم من الكفاءة.
كفى أن يصبح الانتقام أهم من العدالة.
وكفى أن يكون الانتصار على الخصم أهم من الانتصار للسودان.
نحن لا نحتاج إلى محكمة للتاريخ بقدر حاجتنا إلى صحوة وطنية.
الماضي يجب أن يكون درساً، لا سلاحاً.
والاختلاف يجب أن يكون عِبرة، لا ثأراً.
وسقوط الأنظمة يجب أن يعلمنا أن الدولة لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالمؤسسات والقانون والتوافق.
السودان يحتاج إلى انتصار الوطن
السودان اليوم لا يحتمل حزباً ينتصر على حزب.
ولا تياراً يهزم تياراً.
ولا جماعة تقصي جماعة.
السودان يحتاج إلى شيء أكبر من كل ذلك:
السودان يحتاج إلى انتصار الوطن على الجميع.
إن التوافق الوطني ليس استسلاماً.
والمصالحة ليست ضعفاً.
والجلوس مع الخصم ليس خيانة.
والتنازل عن بعض المكاسب الحزبية من أجل المصلحة الوطنية ليس هزيمة.
بل إن هذه هي شجاعة رجال الدولة.
فالأشخاص راحلون.
والحكومات زائلة.
والأحزاب متغيرة.
أما السودان… فباقٍ.
لقد احترقت في الماضي أوراق نقدية، ثم احترقت الثقة، واستُنزفت الموارد، وتمزقت المؤسسات، وضاعت أعمار وأجيال.
فلا تجعلوا الوطن نفسه هو الورقة الأخيرة التي تحترق.
يا أهل السودان… تعالوا ندفن الخصومات لا الوطن
تعالوا نختلف دون أن نتقاتل.
ونتنافس دون أن نتآمر.
ونحاسب دون أن ننتقم.
ونتصالح دون أن نتنازل عن الحق.
تعالوا نجعل من تاريخنا الطويل، من الاستقلال إلى أكتوبر، ومن الديمقراطية الثانية إلى مايو، ومن أبريل إلى الإنقاذ وما بعدها، كتاباً مفتوحاً نتعلم منه، لا سجلاً نتقاتل حوله.
فالسودان لا يحتاج إلى طرف ينتصر على طرف.
بل يحتاج إلى مشروع ينتصر للجميع.
ولا يحتاج إلى زعيم يعلو على الدولة.
بل يحتاج إلى دولة تعلو على الجميع.
ولا يحتاج إلى حزب يملك الوطن.
بل إلى وطن يتسع لكل أبنائه.
إن الطريق الوحيد لإنقاذ السودان ليس أن ينتصر طرف على طرف؛ وإنما أن ينتصر السودان على عقلية الخصومة نفسها.
السودان أولاً… قبل الحزب، وقبل الزعيم، وقبل السلطة، وقبل الحسابات الشخصية.
وإذا كان الماضي قد علّمنا شيئاً، فهو أن السودان لا يسقط من قلة موارده، ولا من ندرة كفاءاته، وإنما يسقط عندما يعجز أبناؤه عن الاتفاق على حمايته.
فليتوحد أهل السودان قبل أن تتوحد عليهم الكارثة.
وليكن التوافق الوطني عهدنا الجديد، والوحدة الوطنية غايتنا، وهدفنا المنشود والسودان في حدقات العيون.
