أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٧٧) د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٧٧)
د. ياسر محجوب الحسين
فيما تظل *”أمواج ناعمة”* تغازل البحر في علاقة ممتدة؛ تتقاطع على شاطئ الزمالة الصحفية موجتان مختلفتا الاتجاه ومتحدتا الجوهر: واحدة حملت من قاعات التفاوض ومخيمات النزوح تلغرافا نسائيا صلبا، لا يلين أمام الحرب ولا يكل من مساءلة الكبار، وأخرى حملت من دفاتر الأغاني وأرشيف الموسيقى تلغرافا آخر، يوثّق الذاكرة الفنية السودانية قبل أن تبتلعها الحرب والنسيان.
هنا تلتقي هنادي عثمان، صاحبة أول حوار مع جون قرنق في أسمرة وأول حوار مع سلفاكير بعد توليه الرئاسة، بالموجة الثانية سراج الدين مصطفى الذي حوّل عمود “نقر الأصابع” إلى منبر يحفظ للفنانين حقهم في الذاكرة. موجتان من الخدمة.. فالشاطئ يتسع لمن جعلوا المهنة توثيقا للوطن، سياسة كان أم فنا.
هنادي عثمان
هي هنادي عثمان الحاج سعيد، تخرجت في كلية الإعلام بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عام 2001، بعد أن جمعت قبلها دبلومين في تقنية المعلومات بجامعة جوبا والعلاقات العامة بجامعة السودان، ثم أكملت مسيرتها الأكاديمية بدبلوم في الوسائط المتعددة من جامعة لوتن. قُيّدت صحفية محترفة بمجلس الصحافة والمطبوعات السودانية في العام ذاته الذي تخرجت فيه.
بدأت محررة في قسم الأخبار بصحيفة «الأيام»، ثم انتقلت إلى «الخرطوم مونيتور» الإنجليزية ست سنوات، فـ«الرأي العام» حيث أُسندت إليها متابعة ملف الحركة الشعبية لتحرير السودان، فكان لها هناك أول حوار صحفي مع سلفاكير ميارديت عقب توليه رئاسة الجنوب، وأول حوار مع مالك عقار، وحوار حول تحضيرات استفتاء تقرير المصير. وفي «الخرطوم مونيتور» كان لها فضل السبق أيضا: أول حوار صحفي مع الدكتور جون قرنق في أسمرة، برفقة وفد صحفي، قبل توقيع اتفاقية نيفاشا بزمن قصير. ترأست لاحقا قسم الأخبار في «سودان تريبيون».
منذ نوفمبر 2012 تقدّم البرامج في راديو دبنقا، وأعدت وقدمت أكثر من ثلاثمائة حلقة من برنامج «الكنداكة» المتخصص في قضايا المرأة والجندر وحقوق الإنسان والتمكين القانوني والسياسي والمجتمعي، إلى جانب تغطيات ميدانية لأوضاع النازحين في المعسكرات. جالت على موائد التفاوض السودانية كلها تقريبا: أبوجا لسلام دارفور 2004، ونيفاشا لسلام الجنوب 2005، ومفاوضات أبيي في لاهاي، ومفاوضات شرق السودان في أسمرة، قبل أن توثّق الثورة السودانية 2019. وتعاونت مع مؤسسات حقوقية دولية كمراسلون بلا حدود وهيومن رايتس ووتش، ومثّلت قضايا المرأة وحقوق الإنسان في أكثر من خمس وعشرين دولة.
بين محطة وأخرى، ظلت السباحة وقراءة الروايات والكتب السياسية وزيارة المواقع الأثرية مساحتها الخاصة بعيدا عن ضجيج الأخبار.
إنها هنادي عثمان: صحفية ميدانية حملت أسئلة النساء والمهمّشين إلى طاولات الرؤساء والمفاوضين، فصارت اسما أول في أكثر من حوار سوداني فاصل.
سراج الدين مصطفى
بدأ سراج الدين مصطفى رحلته الصحفية عام 2005، مرتبطا منذ البداية بالعمل الثقافي والفني، حريصا على أن تكون المادة الصحفية توثيقا لا خبرا عابرا. تدرّج محررا في «الدار» ثم «الحرية» و«الصدى الرياضية» و«الصحافة»، قبل أن يتولى رئاسة قسم الفنون والمنوعات في «الأحداث» ثم «الجريدة»، فترسخت لديه قناعة بأن الصحافة الفنية قادرة على صناعة الوعي وحفظ الذاكرة السودانية.
انتقلت بعدها إلى التلفزيون في قناة الشروق الفضائية، باحثا ثم منتجا للبرامج، حتى اندلاع الحرب، وهي تجربة صقلت أدواته في التعامل مع الصورة والصوت والمعلومة، وعلّمته أن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق الكبير. لم يتوقف عند الصحافة اليومية، بل اتجه إلى التوثيق المتخصص: أصدر كتاب «زورق الألحان» عن تجربة الموسيقار محمد الأمين، وكتب «سلافة الفن» توثيقا لتجربة فرقة البلابل، ليحوّل بذلك حكايات متداولة إلى مادة مكتوبة يمكن الرجوع إليها.
ظل يكتب عن أجيال من الفنانين والموسيقيين والشعراء، مهتما بحكايات الأغنيات والملحنين والأمكنة، ومتابعا لقضايا الحقوق الفكرية وجودة المحتوى، مؤمنا بأن تناول الفن يستلزم معرفة بتاريخه واحتراما لأصحابه. عموده «نقر الأصابع» صار هويته الصحفية: مساحة يمنح فيها الراحلين قدرا يليق بأثرهم، ويعيد فيها قراءة منجز الأحياء بزوايا بعيدة عن التناول التقليدي.
جاءت الحرب فأوقفت عمله، ونزح، وفقد معداته وأدواته ومصادر دخله، لكن علاقته بالصحافة والثقافة لم تنقطع؛ ظلت الكتابة والتوثيق وسيلته للمقاومة وحفظ الذاكرة، ومحاولته المستمرة لاستعادة ما يمكن استعادته من التجربة السودانية.
إنه سراج الدين مصطفى: صحفي فني ومنتج تلفزيوني وموثّق، حوّل العمود والكتاب إلى سدّ منيع أمام تلاشي الذاكرة الفنية السودانية في زمن الحرب.
