منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

على بلاطة عبير دفع الله عزالدين تكتب: التعلمجي في الشرطة السودانية.. صانع القيادات والرجال

0

على بلاطة
عبير دفع الله عزالدين ✍️تكتب:

التعلمجي في الشرطة السودانية..
صانع القيادات والرجال

في كل دفعة من رجال الشرطة حكاية تبدأ من ميدان التدريب، حيث الخطوة الاولى، والصوت الذي يضبط الصفوف، والرجل الذي يعرف كيف يحول الحماس الى انضباط، والقوة الى مسؤولية. ذلك هو التعلمجي، الذي لا يكتفي بتعليم المستجد كيف يؤدي واجبه، بل يسهم في بناء الشخصية التي تستطيع حمل هذا الواجب.
التعلمجي في الشرطة السودانية ليس مجرد مدرب يقود الطابور، ولا معلما يلقن الاوامر، ولا صوتا يقطع سكون الميدان. انه واحد من اولئك الذين يضعون اللبنات الاولى في بناء الشخصية الشرطية، يبنون رجلا يعرف معنى الواجب، ويدرك قيمة الانضباط، ويستطيع ان يقف في الميدان حين يتراجع الاخرون.
وفي تدريب المستجدين، تتجلى هذه الرسالة بكل وضوح. فالمستجد لا يدخل الميدان وهو يحمل كل ما يحتاجه من صفات رجل الشرطة، بل يأتي وفي داخله طاقة وشخصية تحتاج الى توجيه وصقل، وقدرات تحتاج الى اكتشاف.
وهنا يبدأ دور التعلمجي، فيأخذ بيده من الخطوة الاولى، ويعلمه كيف يقف، وكيف يسير، وكيف يؤدي التحية، وكيف يستجيب للتعليمات، وكيف يكون جزءا من جماعة تعمل بروح واحدة.
ففي اللياقة البدنية يتعلم المستجد ان القوة ليست مظهرا، وان التحمل ليس امرا سهلا، فالميدان يحتاج الى تدريب مستمر، وصبر، ومثابرة. ومن خلال التمارين والانضباط اليومي، يتعلم ان النجاح لا يأتي دفعة واحدة، بل يبنى خطوة بعد خطوة، وعرقا بعد عرق، حتى يصبح قادرا على مواجهة مشاق العمل الشرطي بثبات واقتدار.
والصرامة عند التعلمجي ليست غاية في ذاتها، ولا رغبة في التضييق على المتدرب، بل وسيلة لتقويم السلوك، وتعويد النفس على الالتزام وان التعليمات لا تقبل التردد حين يكون الموقف محتاجا الى الحسم. فالصرامة المنضبطة تصنع رجلا يعرف حدود مسؤوليته، ويؤدي ما عليه دون تأخير او استهانة.
ومن هنا يأتي غرس الانضباط، ذلك المعنى الذي يرافق الشرطي منذ ميدان التدريب وحتى سنوات الخدمة. فالانضباط ليس مجرد صف مستقيم او زي مرتب، بل هو احترام للنظام، والتزام بالمواعيد، ودقة في الاداء، وقدرة على ضبط النفس في المواقف الصعبة. والتعلمجي حين يكرر التعليمات، ويصحح الاخطاء، ويعيد التمرين، انما يزرع في نفوس المستجدين عادة ستظل معهم في المراكز والادارات والطرق والميادين.
اما قوة الشخصية، فهي من اثمن ما يسعى التعلمجي الى بنائه. فالشرطي يحتاج الى شخصية ثابتة، تعرف كيف تتعامل مع المواقف، وكيف تتحمل المسؤولية، وكيف تواجه الصعاب دون ان تفقد اتزانها.
وفي كل ذلك، يبقى التعلمجي معلما قبل ان يكون قائدا، ومربيا قبل ان يكون موجها. لذلك فهو يجمع بين الحزم والحكمة، وبين الانضباط والانسانية.
وللتعلمجي في الذاكرة الشعبية مكان خاص. فهو شخصية لها حضورها ورمزيتها، ارتبطت في وجدان الناس بالهيبة والانضباط والجدية. فيكفي ان يقال فلان تعلمجي حتى تستحضر الاذهان صورة الرجل الذي لا يتهاون في النظام، ولا يقبل الفوضى، ويعرف كيف يقود الصفوف ويضبط الايقاع. انها رمزية شعبية صنعتها سنوات العمل، وحفظتها الذاكرة، وتناقلتها الاجيال.
ولذلك فان التعلمجي لا يخرج دفعة من المتدربين فقط، بل يرسل الى دولاب العمل الشرطي رجالا يحملون شيئا من روحه. وقد يصبح احد تلاميذه قائدا في المستقبل، فيكون قد ساهم في صناعة قيادة جديدة. فالقادة لا يولدون في المكاتب وحدها، ولا تصنعهم الرتب وحدها، بل تبدأ ملامحهم الاولى في ميادين التدريب، حيث يتعلمون الانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل مع الجماعة، واحترام التعليمات، والقدرة على اتخاذ القرار.
واذا كان من حق القائد ان يكرم في يوم ترقيته، ومن حق الضابط ان يذكر في يوم تقاعده، فان من حق التعلمجي ايضا ان يجد من يذكر فضله، لان كثيرا من القيادات والرجال مروا من بين يديه، وحملوا معهم شيئا من علمه، وصرامته، ونصيحته، وتجربته. انه يعمل في صمت، ولا ينتظر دائما ان يرى اسمه في واجهة المشهد، لكنه يترك اثره في وجوه الذين يصنعهم.
يا ايها التعلمجي، يا من وقفت طويلا في الميادين، ورفعت صوتك في الصباح، وكررت الاوامر حتى استقامت الصفوف، واعطيت من وقتك وصبرك ما لا تقيسه الساعات، اعلم ان ما تفعله ليس عملا عابرا. انك تضع في كل متدرب بذرة، قد تصبح يوما شجرة يستظل بها الناس.
فطوبى لمن علم الانضباط حتى صار خلقا، وعلم المسؤولية حتى صارت سلوكا، وعلم الرجال حتى صاروا قيادات. وطوبى لذلك الرجل الذي لا يكتفي بان يرى الصفوف مستقيمة، بل يفرح حين يرى من مروا بين يديه قدارتقوا في عملهم، وصاروا جديرين بالامانة التي حملوها.
ومن هنا، فان تطوير دور التعلمجي ينبغي ان يكون جزءا من رؤى تطوير العمل الشرطي نفسه. فالتدريب اليوم لم يعد قائما على الصرامة وحدها، بل يحتاج الى معارف حديثة، واساليب تربوية متطورة، وفهم اعمق لطبيعة المجتمع، ومتطلبات العمل الميداني. كما ان تأهيل التعلمجي وتطوير قدراته في القيادة والتدريب والتواصل، وتوفير بيئة تدريبية مناسبة، يمثل استثمارا مباشرا في مستقبل الشرطة.
ومن المهم ايضا ان تمتد العناية بالتعلمجي الى ما بعد الميدان، من خلال برامج تدريب مستمرة، وتبادل الخبرات، وتقدير جهوده، والاستفادة من تجاربه في تطوير المناهج. فالرجل الذي يصنع الرجال يستحق ان يجد من يصنع له فرصا جديدة للنمو والتطور.
فاذا احسنا اعداد التعلمجي، واحسنا تأهيله، واحسنا تقدير دوره، فاننا لا نطور التدريب وحده، بل نفتح الطريق امام شرطة اكثر مهنية، واكثر قدرة على مواجهة التحديات، واكثر قربا من المواطن. وتلك هي الرؤية التي تجعل من ميدان التدريب بداية لصناعة المستقبل.
التعلمجي في الشرطة السودانية ليس مجرد صانع للطوابير، بل صانع للثبات، وباني للشخصية، ومشارك في صناعة القيادات والرجال

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.