منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

أمواج ناعمة الحرباء والعنقاء د. ياسر محجوب الحسين

0

أمواج ناعمة

الحرباء والعنقاء

د. ياسر محجوب الحسين

في مدينة تغرق وسط أمواج التناقضات، جلس الكاتب في زاوية هادئة من مكتبه، يتأمل من نافذته علما يعج بالصراعات، وتتنازع فيه الشعارات مع المصالح. في يده كوب كركديه ساخن يحاول أن يطرد بردا نزل بلا موعد، وعلى طاولته استقرت أوراق بيضاء تنتظر أفكارا كانت تثور في داخله كحصان جموح. كان يعرف أن الحقيقة ليست دائما واضحة، وأن بعض المفاهيم تتلون بحسب الظروف، كما تتلون الحرباء بحسب المكان.
راح يستعيد في ذهنه قصة الديمقراطية، تلك الكلمة الساحرة التي كثيرا ما تُرفع في وجه الشعوب وكأنها مفتاح الخلاص. لكنه رآها أقرب إلى طائر العنقاء الأسطوري؛ يسمع الناس عنه، يتحدثون عن وجوده، لكنهم لا يرونه إلا في الحكايات. تمتم في نفسه: «الديمقراطية قد تكون مسكنا عند الحاجة، لكنها لا تصبح حلا حقيقيا إلا حين تتحول إلى ثقافة وقبول بالآخر».
عاد بذاكرته إلى ذلك البلد العربي الذي شهد سقوط رئيس منتخب، وإلى الطريقة التي تعامل بها الغرب مع الحدث وكأن إرادة الشعوب تصبح مقدسة حين توافق مصالحه، ومرفوضة حين تأتي بما لا يشتهي. بدا له الغرب، في تلك اللحظة، كفرعون العصر؛ يريد للآخرين أن يعيشوا داخل القالب الذي رسمه لهم، وأن يمارسوا ديمقراطية منزوعة الدسم، تحتفظ بالقشور وتفرغ الجوهر من مضمونه.
ابتسم الكاتب بمرارة. فالديمقراطية، في نظره، تبدو أحيانا كضيف ثقيل لا يُستدعى إلا عندما تخدم الغاية المطلوبة. تُرفع رايتها في مكان، ويُغمض عنها النظر في مكان آخر. المهم أن تبقى الحدود الظاهرية محترمة، أما الجذور الفكرية والاجتماعية التي تمنح الديمقراطية معناها الحقيقي، فليست دائما موضع اهتمام.
ثم انتقلت أفكاره إلى بلد عربي آخر، حيث ولدت صيغة «الديمقراطية التوافقية». بدت في ظاهرها محاولة لصناعة التوازن ومنع هيمنة طرف على آخر، لكنها تحولت مع الوقت إلى نظام يقوم على المحاصصة الطائفية وتوزيع النفوذ. رئيس الجمهورية من طائفة، ورئيس الوزراء من أخرى، ورئيس البرلمان من ثالثة؛ وكأن الوطن كعكة سياسية تُقسم بين الطوائف بدل أن يكون عقدا جامعا بين المواطنين.
عاد الكاتب إلى الورقة البيضاء، وكتب أن المشكلة ليست في الديمقراطية وحدها، بل فيمن يستخدمها وكيف يستخدمها. فحين تصبح الديمقراطية أداة بيد الأقوياء، تتحول من قيمة إنسانية إلى سيف مسلط، ومن وسيلة للتداول السلمي للسلطة إلى ذريعة للتدخل والضغط.
وضع قلمه بعد تنهيدة عميقة، ثم كتب:
«الديمقراطية ليست سحرا، بل عقد اجتماعي لا يكتمل إلا بقبول الآخر. وبدون هذا القبول، تبقى مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء».
أغمض عينيه، وأدرك أن العنقاء ستظل تحلق في سماء الأساطير، بينما ستبقى الحرباء سيدة المشهد؛ تتلون وفق موازين القوة، وتتكيف مع مصالح الأقوياء، فيما يدفع الضعفاء ثمن لعبة لا يملكون قواعدها.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.