منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

استراحة الجمعة حين يرحل الكبار ويبقى الله ====== ✍️د. الشاذلي عبداللطيف

0

استراحة الجمعة
حين يرحل الكبار ويبقى الله
======
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

نمضي في هذه الدنيا وبين أيدينا نعم كثيرة لا نعرف قدرها إلا حين تغيب، ومن أعظم تلك النعم وجود الكبار في بيوتنا؛ أب يظلنا بدعائه، وأم يهدأ القلب بقربها، وجد يحمل من الحكمة ما لا تحمله الكتب، وجدة يكفي أن نراها لنعرف أن للدنيا وجها آخر أكثر دفئا وطمأنينة.
ثم يأتي أمر الله.
فيرحل من نحب.
وتبقى الكراسي في أماكنها، وتبقى الأبواب والنوافذ، لكن شيئا في البيت يتغير إلى الأبد.
وهنا يجيء الإيمان ليرد القلب إلى مكانه الصحيح.
فنحن لم نملكهم حتى نفقدهم، بل كانوا وديعة من الله، أكرمنا بها زمنا، ثم استرد سبحانه وديعته في الأجل الذي كتبه.
قال تعالى:
“إنا لله وإنا إليه راجعون”.
وما أوسع هذه الآية حين تدخل القلب بمعناها الحقيقي.
نحن لله.
وأحبابنا لله.
وأعمارنا لله.
وكل ما نحب في هذه الدنيا لله
ومن عرف هذه الحقيقة هان عليه الفراق، لا لأن الحزن يختفي، ولكن لأن اليقين يحتضنه.
كبارنا الذين رحلوا لم يكونوا معصومين من الضعف، ولكن الله جعل في وجودهم بركة الاجتماع، وسكينة البيت، ووقار الكلمة. كانوا إذا اختلف الأبناء جمعوهم، وإذا اشتدت النفوس لينوها، وإذا ضاقت الحياة بأحد فتحوا له بابا من الدعاء لا يغلق.
رحلوا، لكن ربهم لم يرحل.
غاب صوت الأب، لكن باب الله مفتوح.
وسكنت دعوات الأم، لكن رحمة الله أوسع من كل دعاء.
وغاب صدر الجد، لكن لطف الله لا يغيب.
وهذه هي الطمأنينة التي يحتاجها القلب عند الفقد: ألا نتعلق بالمخلوق حتى ننسى الخالق، وألا نجعل رحيل الأحبة نهاية للنور، فالنور الحقيقي من الله.
ولعل أجمل الوفاء للراحلين ألا نكثر الحديث عنهم بقدر ما نحيي جميل أثرهم.
إن كان الكبير يصل رحمه، فلنصل أرحامنا.
وإن كان يعفو، فلنتعلم العفو.
وإن كان يجمع المتخاصمين، فلنكن بعده جسرا لا جدارا.
وإن كان يذكرنا بالله، فلنجعل ذكر الله ميراثه الباقي فينا.
فالموت لا يغلق أبواب المحبة، وإنما يغير طريقها.
كان الحب في حياته زيارة وقبلة وسؤالا، وبعد رحيله يصبح دعاء وصدقة واستغفارا وعملا صالحا نهديه إليه.
ويا من لا يزال أبواه أو أحد كبار أسرته بين يديه، لا تؤجل البر.
لا تنتظر مرضا حتى تلين.
ولا تنتظر جنازة حتى تعرف القيمة.
اجلس معهم اليوم، اسأل عنهم، استمع إليهم، واغتنم وجودهم؛ فالأيام تمضي بصمت، ولا يعود منها يوم واحد.
ثم اطمئن.
فما أخذه الله لم يضع.
وما غاب عن أعيننا لم يغب عن علمه.
وما ودعناه في التراب قد أودعناه عند أرحم الراحمين.
اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا ومن سبقونا إليك، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وآنس وحشتهم، ونور مرقدهم، واغسل قلوبنا بالرضا، وألهمنا الصبر الجميل، وأصلح ما بيننا، وأدم على بيوتنا المحبة والرحمة، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا.
اللهم اجعلنا إذا فقدنا صبرنا، وإذا أنعمت شكَرنا، وإذا أخطأنا استغفرنا، وإذا ضاقت بنا الحياة قلنا بقلوب مطمئنة:
حسبنا الله ونعم الوكيل.
فكل شيء يرحل…
ويبقى الله

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.