منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

منال الأمين الفادني تكتب السودان ما بين حرب المليشيا والدولار

0

منال الأمين الفادني تكتب
السودان ما بين حرب المليشيا والدولار

ليست هذه الكلمات شكوى عابرة، ولا نقداً من أجل النقد، وإنما هي مناصحة وطنية صادقة لحكومة الأمل، من مواطنة عاشت وجع الحرب، ورأت بأم عينها كيف يمكن للحرب أن تأخذ الإنسان من بيته، وأن تنتزع منه ماله وأمانه واستقراره، ثم تتركه بعد ذلك يصارع الغلاء وارتفاع الأسعار وتقلبات الدولار.
لقد دفع المواطن السوداني ثمناً باهظاً لهذه الحرب؛ أرواحاً عزيزة فقدناها، وبيوتاً تهدمت، وممتلكات ضاعت، وأسرٌ نزحت، وأطفالٌ حُرموا من مدارسهم، ومرضى أصبح الحصول على الدواء بالنسبة إليهم معركة أخرى.
واليوم، وبعد كل هذا الألم، يجد المواطن نفسه أمام معركة جديدة عنوانها غلاء المعيشة.
فالمواطن الذي نجا من رصاص الحرب لا ينبغي أن يهزم أمام سعر الخبز، والذي فقد بيته لا ينبغي أن يفقد قدرته على إطعام أسرته، والذي عاد إلى وطنه لا ينبغي أن يجد وطنه عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
إننا ندرك تماماً أن الاقتصاد السوداني خرج من حرب مدمرة، وأن الخراب الذي أصاب الإنتاج والبنية التحتية والأسواق والنقل والخدمات لا يمكن إصلاحه في أيام. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي انكمش بشدة خلال 2023 و2024، كما ارتفعت معدلات التضخم بصورة حادة، وانخفضت إيرادات الدولة، وازدادت معدلات الفقر.
ولكن صعوبة الظروف لا تعني الاستسلام لها.
وهنا تأتي مناصحتي لحكومة الأمل:
أولاً: المواطن قبل المؤشرات
نحن بحاجة إلى سياسة اقتصادية يشعر المواطن بأثرها في السوق، لا أن تبقى الأرقام الجميلة حبيسة التقارير.
المواطن يريد أن يرى انخفاضاً في أسعار الدواء والغذاء، واستقراراً في سعر الصرف، وتوفراً للسلع الأساسية، وفرصاً للعمل والإنتاج.
فالاقتصاد في النهاية ليس أرقاماً فقط؛ الاقتصاد هو رغيف المواطن، ودواؤه، وتعليم أبنائه، وقدرته على دفع إيجار منزله وتوفير احتياجات أسرته.
ثانياً: الدولار لا يُحارب بالقرارات وحدها
لقد أصبح الدولار في حياة المواطن السوداني أكثر من مجرد عملة أجنبية؛ أصبح مؤشراً على حركة السوق وأسعار السلع.
ولذلك فإن معالجة أزمة العملة تحتاج إلى علاج جذري يبدأ من زيادة الإنتاج والصادرات، وضبط موارد النقد الأجنبي، وتقليل الطلب غير الضروري على العملات الأجنبية، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي.
وهذه ليست أفكاراً بعيدة؛ فقد أعلنت وزارة المالية السودانية في يونيو 2026 عن أهمية معالجة سعر الصرف من خلال حزمة نقدية ومالية وإنتاجية، مع تشجيع الإنتاج والصادرات وتنظيم موارد النقد الأجنبي.
لكن المطلوب أن تنتقل هذه السياسات من الاجتماعات إلى حياة الناس.
ثالثاً: عودة السودان إلى الإنتاج
يا حكومة الأمل، إن السودان لا ينقصه الذهب ولا الأرض ولا المياه ولا الأيدي العاملة.
السودان بلد زراعي بالدرجة الأولى، ولذلك فإن الزراعة يجب أن تكون مشروع الإنقاذ الاقتصادي الحقيقي.
فلنبدأ بالمزارع:
توفير التقاوى والأسمدة ومدخلات الإنتاج.
تمويل صغار المزارعين.
إصلاح مشاريع الري.
تشجيع الصناعات الغذائية.
فتح الطرق أمام نقل المنتجات.
حماية المنتج المحلي.
تشجيع الصادرات الزراعية والحيوانية.
ربط الإنتاج بالأسواق الخارجية.
إن كل فدان يُزرع بصورة صحيحة، وكل مصنع يعود للعمل، وكل شاحنة تصدّر محصولاً سودانياً، يعني تقليلاً للاعتماد على الدولار.
رابعاً: الذهب ثروة وطنية وليست ملاذاً للأزمة
يحتاج السودان إلى تنظيم حقيقي لقطاع الذهب والتعدين، وإدخال الإنتاج في القنوات الرسمية، وتوفير بيئة عادلة للمعدنين، حتى تعود عائداته إلى خزينة الدولة والاقتصاد الوطني.
فالذهب يمكن أن يكون أحد مصادر النقد الأجنبي، لكن بشرط أن تتم إدارته بشفافية وانضباط، وأن يتحول من ثروة تستنزفها الفوضى إلى مورد يدعم الدولة والمواطن.
خامساً: لننظر إلى رواندا بعين التعلم لا التقليد
حين نتحدث عن رواندا، فإننا لا نقول إن السودان يجب أن ينسخ تجربتها حرفياً؛ فلكل بلد ظروفه وتاريخه وموارده.
لكن رواندا تقدم درساً مهماً في الانتقال من آثار الصراع إلى التركيز على الإنتاج والاستثمار والبنية التحتية وتنمية رأس المال البشري والقطاع الخاص.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الرواندي حقق نمواً قوياً في السنوات الأخيرة؛ فقد نما الناتج الحقيقي 8.9% في 2024، ثم 9.4% في 2025، مع مساهمة قطاعات الخدمات والصناعة والزراعة والاستثمار في هذا النمو.
والأهم من الأرقام هو الدرس:
الدولة التي تريد النهوض لا تنتظر انتهاء كل مشكلاتها حتى تبدأ البناء.
تبدأ بما تستطيع، وتضع أولوياتها، وتستثمر في الإنسان، وتفتح المجال للإنتاج والقطاع الخاص، وتعمل على تطوير الزراعة والبنية التحتية والخدمات.
وهذا ما يمكن للسودان أن يتعلم منه.
سادساً: المواطن يحتاج إلى حماية اجتماعية عاجلة
هناك أسر سودانية فقدت معيلها في الحرب، وأسر فقدت منازلها ومصادر دخلها، وأسر عادت إلى مناطقها ولا تملك رأس مال تبدأ به من جديد.
لذلك أقترح إنشاء برنامج وطني عاجل للتعافي الاقتصادي للأسر المتضررة من الحرب، يقوم على:
منحة بداية صغيرة + تدريب + مشروع إنتاجي + متابعة.
بدلاً من أن يظل المواطن محتاجاً للمساعدة كل شهر، نساعده على أن يصبح منتجاً يستطيع إعالة أسرته.
سابعاً: محاربة الاحتكار والفساد
لا يمكن أن نتحدث عن تخفيف أعباء المواطن بينما تظل حلقات الوسطاء والاحتكار قادرة على مضاعفة الأسعار.
نحتاج إلى رقابة حقيقية على الأسواق، وإلى شفافية في الاستيراد، ومراجعة الرسوم والجبايات التي تتحملها السلع، ومحاسبة من يستغل حاجة الناس.
المواطن لا يريد معجزة؛ يريد عدالة في السوق.
وأخيراً… يا حكومة الأمل
لقد انتصر السودان على كثير من المحن عبر تاريخه، وسيخرج بإذن الله من هذه الحرب.
ولكن الخروج من الحرب لا يعني فقط عودة المؤسسات إلى الخرطوم، ولا رفع الأنقاض من الشوارع، وإنما يعني أيضاً إعادة الأمل إلى جيب المواطن ومائدته وبيته ومستقبل أبنائه.
نحن نريد دولة قوية، واقتصاداً منتجاً، وجنيهاً مستقراً، وأسواقاً عادلة، وزراعة مزدهرة، وصناعة متقدمة، وشباباً يجدون فرص العمل داخل وطنهم.
لقد تعب المواطن السوداني.
تعب من الحرب، وتعب من النزوح، وتعب من فقد الأحبة، وتعب من الغلاء، وتعب من مطاردة الدولار.
فلا تجعلوا المواطن يخوض حرباً أخرى مع لقمة العيش.
يا حكومة الأمل، هذه مناصحة من قلب الوطن:
اجعلوا المواطن أولاً…
والإنتاج أولاً…
والزراعة أولاً…
والقيمة الحقيقية للجنيه هدفاً…
ومحاربة الفساد والاحتكار واجباً…
واجعلوا من هذه المرحلة بداية لعقد اقتصادي جديد، لا مجرد محاولة لإدارة الأزمة.
فالسودان الذي صمد في وجه الحرب قادر على أن يصمد أمام الدولار،
والسودان الذي يملك الأرض والماء والذهب والماشية والإنسان لا ينبغي أن يكون فقيراً في وطنه.
ولنجعل من نهاية الحرب بداية لمعركة أخرى: معركة البناء والإنتاج والكرامة.
منال الأمين الفادني

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.