البعد_الاخر د. مصعب بريــر تَسْعِيرُ الأَمَل : كيف ابتلع “مزاد” التعليم الخاص جثة المدارس الحكومية؟
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
تَسْعِيرُ الأَمَل : كيف ابتلع “مزاد” التعليم الخاص جثة المدارس الحكومية؟
هل انتبهت يوماً إلى كيف تتغير الأشياء الكبيرة في حياتنا بصمت؟ في شوارع الخرطوم المزدحمة، أو في أسواق أم درمان التي لا تنام، قد تتبدل ملامح الحياة ونحن نظن أن كل شيء على حاله، حتى نصحو ذات صباح لنجد أننا فقدنا شيئاً لا يُعوض. نحن لا ننتبه لانهيار الأعمدة الضخمة إلا حين يسقط السقف على رؤوسنا، ونقف مذهولين نتساءل: متى حدث كل هذا؟
وهذا بالضبط ما يحدث الآن في قضية لم تعد تحتمل التأجيل أو الهمس. نحن لا نتحدث عن أزمة اقتصادية عابرة يمكن تجاوزها، بل عن الجرح الذي ينزف في قلب كل بيت؛ أزمة التعليم. ما جرى في نتائج الشهادة السودانية الأخيرة، ليس مجرد أرقام تُقرأ في مؤتمر صحفي للتهنئة، بل هو إعلان صريح لتراجع التعليم الحكومي وتتويج التعليم الخاص كحاكم بأمره في ساحة المستقبل.
دعونا نفتح هذا الصندوق بهدوء. السبب الأول الذي يراه الجميع هو أن المدارس الخاصة، وتحديداً مؤسسة كـ “الكودة” التي حصدت خمسين مقعداً من المائة الأوائل، تمتلك إدارة صارمة، بيئة جاذبة، ومعلمين وُفرت لهم سبل الاستقرار. النتيجة المباشرة والطبيعية لهذا هي أن يكتسح طلابها القائمة. لكن ما لا يُرى تحت هذا السطح اللامع، هو المفارقة التاريخية المبكية.
في أواخر القرن الماضي، كان التعليم الأهلي هو الملاذ الأخير للطالب الذي لم تسعفه درجاته لدخول المدارس الحكومية العريقة. كانت المدرسة الحكومية هي مصنع النوابغ وميزان العدالة. أما اليوم، فقد تسلل الإهمال لسنوات طويلة حتى انعكست الآية، وأصبح الدخول إلى المدارس الخاصة مدعاة للتفاخر الاجتماعي بين المقتدرين، بينما تُركت المدرسة الحكومية تقاتل بلا سلاح.
طيب، ماذا يعني هذا للمواطن البسيط الذي يكافح في “سوق ليبيا” أو في أطراف العاصمة؟ هذا يعني أن لقمة عيشه أصبحت مهددة بـ “فواتير” التفوق. الأب الذي يكدح طوال النهار لم يعد يرهقه إطعام أبنائه فحسب، بل بات مرعوباً من عجزه عن شراء مقعد يضمن لهم مستقبلاً محترماً. هذا أشبه برجل يشتري ماءً نقياً كل يوم بأضعاف سعره، بدل أن يسأل نفسه لماذا تم تدمير بئر القرية. هل نلوم المدارس الخاصة التي أبدعت في خلق بيئة نجاح محكمة وتجاوزت شائعات تسريب الامتحانات الساذجة؟ أم ننعى وزارة شردت أساتذتها بضآلة الرواتب وتركتهم في العراء يواجهون شظف العيش؟
هذا الخطر، المتمثل في تحول التعليم إلى سلعة للمتاجرة، ليس قدراً محتوماً لا يمكن الفكاك منه. وليس هذا تحليلاً في الهواء، فدولة ضخمة كالصين مثلاً، أدركت هذا الفخ وتحركت. لم تقف السلطات هناك تتفرج على الأسر وهي تُسحق تحت وطأة فواتير التعليم، ففرضت قيوداً صارمة عبر سياسة “الخفض المزدوج”. منعت مؤسسات التدريب التي تقدم المواد الأساسية في سن التعليم الإلزامي من العمل كنشاط ربحي بحت. هم لم يغلقوا المدارس الخاصة، لكنهم أعادوا ترتيب الملعب لرفع العبء المالي عن كاهل الأسر، لأنهم أدركوا مبكراً أن التعليم الأساسي حق سيادي، وليس مزاداً لمن يدفع أكثر.
وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة في مشهدنا المربك. القضية لم تعد مجرد تبرير أو البحث عن شماعات نعلق عليها فشلنا كظروف الحرب وغيرها. القضية هي أن المنظومة كلها انزلقت نحو هاوية التمييز الطبقي الأكاديمي. نحن أمام جيل يُصنف في مستقبله ليس بناءً على ذكائه الفطري، بل بقدرة آبائه المادية. وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة: لقد تم تسعير الأمل.
بعد اخير:
خلاصة القول، نحن لا نحتاج إلى إرسال برقيات التهنئة للمدارس الخاصة على نجاحها المستحق، بقدر ما نحتاج إلى إقامة سرادق عزاء في تكافؤ الفرص. عندما يصبح مقعد المتفوقين في طابور الصباح معروضاً في واجهة زجاجية لا يطالها إلا المقتدر، فإننا لا نبني وطناً، بل نؤسس لشركة مساهمة كبرى سيُطرد منها الفقراء قريباً.
أخيرًا، الأوطان لا تسقط عندما تنهار مبانيها أو تفرغ خزائنها، بل تسقط في اللحظة التي يصدق فيها الفقير أن ذكاء ابنه لا قيمة له، لأن هناك من اشترى منصة التتويج مسبقاً. عندما يموت حق الجميع في الحلم المتساوي، لا يبقى شيء يستحق أن ننتظره في الغد.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
