منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

أنتبهوا.. شراء العقارات الحرب الصامتة ================ بقلم ✍️:حسبو علي بخي

0

أنتبهوا.. شراء العقارات الحرب الصامتة
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

حين تنتهي أصوات الرصاص، تبدأ أحياناً أصوات أخرى أكثر هدوءاً… وأكثر خطراً.
صوت مفتاحٍ يدور في باب بيتٍ غادره أهله قسراً، وصوت قلمٍ يوقّع على عقد بيع، وصوت مالٍ ينتقل من يدٍ إلى أخرى، بينما الوطن الغارق في الحرب لا ينتبه إلى أن خريطة ملكيته قد تكون تتغير في صمت!
انتبهوا… فالحرب ليست دائماً دبابةً ومدفعاً وطائرة.
أحياناً تكون الحرب دفتر ملكية، وسمساراً، ومشترياً مجهول الهوية والمصدر، وشيكاً لا يُعرف أصله، وملايين تتحرك في الظلام من أموال السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر والتزوير والجرائم العابرة للحدود لغسلها ووضع الصبغة الشرعية عليها.
ما يجري في سوق العقارات السوداني، ولا سيما في الخرطوم وعدد من الولايات والمناطق التي بدأت تستعيد شيئاً من نشاطها، يحتاج إلى قراءة مختلفة. فقد ظهرت خلال عام 2026 ظاهرة في غاية الخطورة وهي زيادة المعروض من العقارات للبيع، وعن قوة شرائية غير طبيعية، وعن دخول رجال أعمال وتجار إلى السوق لم يسمع بهم في عالم المال والأعمال لاقتناص عقارات بأسعار أقل من مستويات ما قبل الحرب.
ولا يعني ذلك أن كل من يبيع خائن، ولا أن كل من يشتري مشبوه.
حاشا!
فالمواطن الذي أرهقته الحرب، وأفقدته منزله أو عمله أو مدخراته، قد يبيع لأنه يريد أن ينجو. وقد يكون البيع بالنسبة إليه طوق نجاة لا صفقة استثمارية وهذا وضع طبيعي ولا يحوي أي مخاطر.
لكن الدولة مطالبة بأن تطرح السؤال الذي لا يجوز أن تخاف منه:
من يشتري الآن؟
ومن أين جاء المال في وقت توقفت فيه عجلة الإنتاج في السودان؟
ولماذا يملك هذا المشتري القدرة على شراء عدة عقارات في وقتٍ يعاني فيه الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وضغط الحرب؟
وإذا كان المال مشروعاً، فليظهر مساره.
وإذا كان النشاط تجارياً، فليظهر سجله.
وإذا كانت الثروة حقيقية، فليظهر مصدرها.
فالمشكلة ليست في المال؛ المشكلة في المال مجهول المصدر حين يدخل إلى ملكية ثابتة ويخرج منها في صورة ثروة تبدو مشروعة.
وهنا تكمن الخطورة.
العقار ليس كيساً من الذهب يُخفى في خزانة.
العقار أصل ثابت، له عنوان، وله سند ملكية، وله قيمة تتراكم مع الزمن، ويمكن أن يتحول بعد سنوات إلى إيجار أو بيع أو رهن أو شركة أو مشروع.
وهكذا يستطيع المال المشبوه ــ إن دخل من هذه البوابة ــ أن يرتدي بدلة قانونية كاملة وثوب شرعي!
وهذا هو السؤال الذي يجب ألا تنام عنه الدولة وتغفل عنه المنظومة الأمنية بالسودان.
فالقانون السوداني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وضع إطاراً لمواجهة هذه المخاطر، كما أن ضوابط بنك السودان المركزي تتضمن العناية الواجبة بالعملاء، والتحقق من الهوية والمستفيد الحقيقي، وفهم طبيعة النشاط ومصدر الأموال، مع اعتبار بعض العملاء والمعاملات ذات المخاطر المرتفعة محل تدقيق أكبر.
إذن، لماذا لا تُفعّل هذه الآليات بأقصى درجات اليقظة في سوق العقارات أثناء فترة الحرب؟
نحن لا ندعو إلى مصادرة أملاك الناس.
ولا ندعو إلى منع المواطن من بيع منزله.
ولا نريد تحويل كل مشتري إلى متهم.
نحن نطالب بشيء أبسط وأخطر في الوقت نفسه:
اعرفوا من يشتري العقارات في السودان في هذا الوقت الاقتصادي الحرج!
يجب أن يكون لكل صفقة كبيرة ملف يحوي:
اسم المشتري.
هويته.
نشاطه.
مصادر دخله.
سجله التجاري.
سجله الضريبي.
حساباته ومعاملاته المصرفية وفق القانون.
شركاته.
شركاؤه.
المستفيد الحقيقي من الصفقة.
مصادر الأموال التي موّل بها الشراء.
حركة تجارته عبر الجمارك والموانئ والمعابر.
والعلاقة بين حجم الثروة التي يعلنها وحجم العقارات التي يشتريها.
فليس من المنطقي أن يظهر شخص فجأة في زمن الحرب، ويبدأ في شراء العقارات بمبالغ ضخمة، ثم تكتفي الدولة بالنظر إلى عقد البيع وختم التسجيل!
العقد يثبت الملكية… لكنه لا يثبت دائماً نظافة المال من الشبهات والمخاطر.
والأخطر أن بعض الأموال قد تتحرك خارج الجهاز المصرفي، وبعضها قد يدخل إليه ثم يخرج منه في معاملات تبدو منفصلة عن أصلها. لذلك فإن الرقابة الحقيقية لا ينبغي أن تتوقف عند البنك، بل يجب أن تتبع سلسلة المال من منبعه إلى لحظة شراء العقار.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى إنشاء سجل وطني استثنائي لحركة الملكية العقارية منذ اندلاع الحرب يشمل حتى ملكية السيارات.
سجل يكشف حجم الانتقال في الملكية، والمناطق الأكثر تعرضاً للبيع، وأكثر المشترين نشاطاً، والصفقات المتكررة، والأسعار غير المعتادة، والشراء النقدي الكبير، والشركات التي تقف خلف عمليات الاستحواذ والشراء وتاريخ تسجيلها في المسجل التجاري وطبيعة نشاطها في العمل التجاري.
وخصوصا عندما تظهر مؤشرات تحمل في جوفها المخاطر وشبهات غسيل الأموال، يجب أن تتحرك الجهات المختصة للتحقق من السجل الجنائي والمالي والتجاري داخل السودان، والاستعانة بالقنوات الدولية القانونية عند الحاجة، بل تفعيل التعاون الأمني الدولي عند وجود مؤشرات تستدعي ذلك.
والقضية لا ينبغي أن تُحصر في الخرطوم.
إنها قضية السودان كله لأنها أصبحت قضية أمن قومي يمكن أن تهدد الدولة السودانية كلها. ويجب أن تشمل رقابة شراء العقارات ولايات الجزيرة، ونهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية، والقضارف، وكسلا، والنيل الأبيض، وغيرها من الولايات، ويجب ألا تتحول إلى أسواق مفتوحة لانتقال ملكيات ضخمة لا تعرف الدولة خلفيتها ومرجعيتها.
لأن الخطر لا يبدأ عندما نكتشف «مافيا» الأموال المجهولة.
بل الخطر يبدأ عندما لا نعرف هل توجد مافيا أصلاً!
وهنا يجب أن تكون الدولة أذكى من الشائعة، وأسرع من الجريمة، وأقوى من شبكات المصالح.
فإذا كانت هناك أموال ناتجة عن النهب أو الاتجار غير المشروع أو التهريب أو غير ذلك من الجرائم الأصلية، فإن تحويلها إلى عقارات لن يجعلها نظيفة.
لأن شراء العقار لا يغسل المال… وإنما قد يخفي أثره لذلك يجب على الجهات الأمنية اخذ التحوطات والتدابير الأزمة لمجابهة هذا الخطر. ويجب أن تتكامل أجهزة الأمن والشرطة والنيابة والجهات العدلية والضرائب والجمارك والقطاع المصرفي والجهات المختصة بمكافحة الأموال مجهولة المصدر والهوية في منظومة قوية وشديدة الرقابة.
لا نريد دولة تمنع الناس من البيع.
نريد دولة تعرف من يشتري،؟؟ ولماذا يشتري،؟؟ وبأي مال يشتري.؟؟
فالمواطن الذي يبيع منزله لينجو من الحرب يجب أن نحميه من الاستغلال.
والذي يشتري بمال نظيف يجب ألا نضعه موضع الاتهام.
أما الذي يدخل السوق بأموال مجهولة المصدر، وبصفقات متكررة، وبثروة لا تتناسب مع نشاطه المعروف، فلا ينبغي أن يجد أمامه سوقاً بلا أبواب ولا دولة بلا عيون ويقظة أمنية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط أن تُهدم الخرطوم.
الأخطر أن تُعاد خرطوم أخرى من بعد الحرب، بتغير ديمغرافي وبأسماء ملاك آخرين، وبخريطة ملكية جديدة، بينما يكتشف السودانيون متأخرين أن الحرب لم تأخذ منهم البيوت فقط…
بل أخذت منهم حقهم في العودة إليها.
انتبهوا!
فالحرب التي نعرفها لها بندقية.
أما الحرب التي نخشى منها، فقد يكون سلاحها المال.
والبندقية تستطيع أن تهدم بيتاً.
أما المال المشبوه، فقد يستطيع أن يشتري البيت والشارع والحي… ثم يشتري الصمت حوله.
لذلك لا ينبغي للدولة أن تقف مكتوفة الأيدي أمام حركة شراء العقارات في زمن الحرب.
راقبوا السوق قبل أن يصبح السوق هو الذي يراقب الدولة.
وثّقوا الملكيات قبل أن تضيع الحقيقة.
افحصوا مصادر الأموال قبل أن تتحول الشبهة إلى ثروة.
تتبعوا السجلات قبل أن تتحول الصفقة إلى تاريخ.
واحرسوا الخرطوم قبل أن نكتشف، بعد فوات الأوان، أن المعركة لم تكن على الأرض التي قاتلنا من أجلها فقط…
بل كانت على الأرض التي تركناها تُباع في صمت.
فلا تجعلوا من دفاتر التسجيل العقاري شاهداً متأخراً على جريمة لم نملك شجاعة منعها في وقتها.
السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى أن يسترد مدنه من الركام فقط؛ بل يحتاج إلى أن يعرف:
مَن اشترى؟؟ وبأي مال…؟؟؟ ولأي غد؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.