حماية السودان..حماية لإفريقيا ================ بقلم ✍️:حسبو علي بخيت
حماية السودان..حماية لإفريقيا
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

لم يعد السؤال اليوم: من ينتصر في السودان؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يهزّ مضاجع الرؤساء والزعماء في إفريقيا: ماذا سيحدث للقارة إذا انتقلت الحرب السودانية من جبهة إلى جبهة، ومن حدود إلى حدود، ومن مليشيا إلى مليشيا؟
تلك هي الحقيقة التي لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام البيانات الدبلوماسية السودان يحترق، وشرر الحريق لا يعترف بالحدود.
منذ اندلاع الحرب التي قادتها المليشيا المتمردة ضد الجيش السوداني في 15 أبريل 2023، تحولت البلاد إلى واحدة من أعظم الكوارث الإنسانية في العالم؛ ملايين المدنيين بين قتيل وجريح ونازح ولاجئ، ومدنٌ دُمّرت، وأسواقٌ ومستشفيات ومدارس وبنى تحتية خرجت عن الخدمة، وانتهاكاتٌ جسيمة وثقتها الأمم المتحدة، شملت القتل والعنف الجنسي والاختطاف والتعذيب والنهب.
لكن الكارثة لا تقاس بعدد الضحايا وحدهم؛ فالخطر الأكبر أن الحرب تفتح الطريق للسلاح، والسلاح للتهريب، والتهريب للمخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والجريمة المنظمة لزعزعة أمن دول القارة الإفريقية وكل المجتمعات.
وهنا ينبغي أن نصرخ في أذن إفريقيا قبل فوات الأوان:
أيها القادة الأفارقة.. السودان إنذاركم الأخير!!!!
إن ما يحدث في السودان ليس شأناً سودانياً محضاً؛ فموقعه الاستراتيجي، الرابط بين حوض النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي والعالم العربي، يجعل تداعيات الحرب تتجاوز حدوده بالضرورة.
إن تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للمليشيات والمرتزقة وتجار السلاح ليس كارثة بمستقبل السودان وحده، بل بمستقبل القارة كلها.
لقد أظهرت الحرب في السودان، بصورة واضحة ، إلى أي مدى يمكن أن يبلغ ثمن انهيار الأمن في القارة الإفريقية.
وفي الفاشر، وثقت الأمم المتحدة انتهاكات واسعة النطاق عقب هجوم مليشيا الدعم السريع وحلفائها على المدينة، شملت عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً واختطافاً ونهباً، واستخداماً للأطفال في القتال، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هذه ليست أرقاماً في تقارير باردة؛لقد كُسرت كرامة النساء، وأطفالٌ خُطفوا، وأسرٌ شُردت، وبيوتٌ أُحرقت، ومدنٌ دُمّرت، وذاكرة وطنٍ تُنزف كل يوم.
ماذا لو خرجت البندقية من السودان؟ أكيد سوف تعبر الحدود
وهنا يكمن الخطر الأكبر!!!!!
فالمقاتل الذي اعتاد حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة لن يصبح بالضرورة عاطلاً عن الحرب بمجرد توقف معركة هنا أو هناك؛ فقد يتحول السلاح إلى تجارة، والمقاتل إلى مرتزق، والطريق الصحراوي إلى ممر للتهريب، والحدود إلى بوابة للجريمة المنظمة.
وهكذا يمكن أن تنتقل عدوى الحرب إلى تشاد وليبيا وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وتمتد آثارها إلى فضاءات الساحل والقرن الإفريقي.
فالحرب لا تصدّر الموت وحده؛ بل تصدّر معها اقتصاد الحرب: ذهبٌ مهرب، وسلاحٌ مهرب، ووقودٌ مهرب، ومخدراتٌ مهربة، وبشرٌ يُهرَّبون، ومقاتلون ومرتزقه يعبرون الحدود بحثاً عن جبهة جديدة.
وإذا لم تُحاصر هذه الشبكات، فقد تجد إفريقيا نفسها أمام سوق سوداء عابرة للحدود، تتغذى من الفوضى وتقتات على ضعف الدولة.
المليشيا ليست دولة
هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل عاصمة إفريقية:
ولاتُبنى الدولة بجيشين، ولا تُحمى الأوطان بمليشيات متعددة، ولا يُصنع السلام بسلاح خارج مؤسسات الدولة.
فالدولة التي تفقد احتكارها المشروع للقوة تفقد تدريجياً قدرتها على حماية المواطن، وضبط الحدود، وإنفاذ القانون، وحماية الاقتصاد.
ومن هنا يجب النظر إلى حرب السودان باعتبارها قضية تتجاوز الصراع الداخلي؛ إنها معركة من أجل بقاء الدولة، وفي الوقت نفسه اختبار لقدرة إفريقيا على مواجهة ظاهرة المليشيات والجريمة العابرة للحدود.
يا قادة إفريقيا.. لا تنتظروا النار عند أبوابكم!
لا تجعلوا السودان مختبراً لتجارب المليشيات، ولا تسمحوا بتحول القارة إلى سوق مفتوحة للسلاح والمرتزقة والمخدرات.
إن حماية السودان تتطلب موقفاً إفريقياً واضحاً يدعم وحدته وسيادته وجيشه وسلامة أراضيه، ويرفض تجزئته، ويعمل على مراقبة الحدود، ووقف تدفق السلاح إلى المليشيات المسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، وملاحقة شبكات التهريب، وحماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
فالعدالة يجب أن تكون واحدة، والقانون يجب أن يعلو فوق الجميع.
ومن أخطر إفرازات الحرب كذلك تنامي مخاطر المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وإذا كان السلاح هو الوجه الصلب للفوضى، فإن المخدرات وجهها الناعم القاتل.
لذلك يجب أن تصبح مكافحة هذه الشبكات جزءاً أصيلاً من المعركة الإفريقية: يجب أن يكون هناك تعاون أمني واستراتيجي، وضبط للحدود، ومراقبة للموانئ والمطارات، وتجفيف لمصادر التمويل، وملاحقة لشبكات غسل الأموال، وحماية للشباب من الوقوع في قبضة عصابات الجريمة المنظمة.
فلا يكفي أن نطفئ المدفع إذا تركنا المهرب يحمل المال، وتاجر المخدرات يتجول في أسواق إفريقيا، والمرتزق يحمل البندقية.
إذا لم تتعلم إفريقيا من حرب السودان.. فمن أين تتعلم؟
أيها الأفارقة!
السودان لا يضع أمامكم مأساته فحسب، بل يضع أمامكم مرآة المستقبل.
فإذا أصبحت المليشيات بديلاً عن الدولة، والبندقية بديلاً عن القانون، والمرتزق بديلاً عن المواطن، والمهرب أقوى من المؤسسة، فلا تسألوا غداً: من أشعل نيران الحرب في إفريقيا؟
اليوم السودان، وغداً قد تكون دولة أخرى. اليوم مليشيا تعبر الحدود، وغداً عشر مليشيات. اليوم سلاحٌ يخرج من مخزن الحرب، وغداً مخازن كاملة تنتشر في الصحراء. واليوم مهربٌ يبيع بندقية، وغداً عصابة تبيع وطناً وتنتهك الإنسانية.
فاحذروا!
إنقاذ السودان ليس حمايةً للسودان وحده؛ إنه دفاع عن فكرة الدولة في إفريقيا كلها.
وعلى القارة أن تدرك أن الطريق واضح كفلق الصبح: طريق الدولة والقانون والمؤسسات، أو طريق المليشيا والمرتزقة والمخدرات والتهريب والانقسام والحروب التي لا تنتهي وتقضي على خيرات إفريقيا.
والتاريخ لا يرحم القارة التي ترى النار في بيت جارتها، ثم تنتظر حتى تصل ألسنتها إلى سقف بيتها.
فلا تجعلوا السودان بداية السقوط الإفريقي، بل اجعلوا مأساته آخر درسٍ قبل أن تستيقظ القارة على حريقٍ لا يعرف له أحدٌ نهاية.
