منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

البعد_الاخر د. مصعب بريــر القضارف تحرق “الموت الصامت”: درعٌ استباقي يغلق أبواب الكارثة ..!

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
القضارف تحرق “الموت الصامت”: درعٌ استباقي يغلق أبواب الكارثة ..!

في شوارعنا وأسواقنا، كل شيء يصرخ ليجذب انتباهك؛ الأسعار، زحام المواصلات، وأخبار الأزمات التي لا تنتهي. لكن الخطر الحقيقي لا يصرخ، بل يتسلل بصمت تام. هل سألت نفسك يوماً أين تذهب الإبرة التي عولج بها مريض بمرض معدٍ؟ أو المشرط الذي استُخدم في غرفة العمليات بعد انتهاء المهمة؟ نحن عادةً نخاف من الموت الذي نراه بأعيننا، ونتجاهل تماماً الموت الذي نصنعه بأيدينا ونرميه بهدوء في الفناء الخلفي للمستشفيات.

هذا ليس حديثاً عن النظافة العامة، بل هو عما نخسره اليوم بصمت من صحتنا، وأموالنا، ومستقبلنا. القضية باختصار هي “إدارة المخاطر”. وفي وسط الركام والضجيج الذي نعيشه، يبرز حدث قد لا يتصدر العناوين الحمراء المعتادة، لكنه يمس عصب بقائنا ويمثل نقطة تحول حقيقية في طريقة تعاطينا مع الكوارث.

السبب الأول الذي يراه الجميع حين نتحدث عن النفايات الطبية، هو مجرد التخلص من القمامة المتراكمة. والنتيجة المباشرة والمنطقية لذلك هي بيئة أنظف. لكن ما لا يُرى، هو أن إهمالنا الطويل لهذه النفايات كان يغذي حلقة مفرغة من المرض. نحن نبني المستشفيات لنتعالى على الألم، ثم نترك نفاياتها الخطرة تتسرب إلى مياهنا وتربتنا لتصنع مرضى جدد. هذا تماماً مثل الرجل الذي يشتري أغلى الأدوية لعلاج ابنه من النزلة المعوية، لكنه يتركه يشرب من إناء ملوث كل يوم.

وليس هذا تحليلاً في الهواء، فما شهدته ولاية القضارف بالأمس القريب هو تجسيد لكسر هذه الحلقة المفرغة. حين افتتح وزير الصحة الاتحادي ووالي الولاية أكبر محرقة للنفايات الطبية والخطرة في السودان، لم يكونا يفتتحان مبنىً، بل درعاً واقياً. هذه المنشأة الضخمة، التي شُيدت بشراكة ذكية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العالمي بتكلفة تتجاوز الثلاثة ملايين دولار، صُممت لتبتلع يومياً 12 طناً من النفايات القاتلة، مزودة بخطوط نقل وأنظمة فلتَرة وعربات مبردة تضمن ألا يتسرب غبار الموت إلى هوائنا.

طيب، ماذا يعني هذا الكلام الكبير للمواطن العادي؟ كيف سيؤثر على لقمة عيشه وشعوره بالأمان؟ يعني ببساطة أن طفلك الذي يركض في “الحوش” أو يلعب في الساحات المفتوحة، لن يتعثر بحقنة ملوثة تحمل له وباءً. ويعني أن المزارع في القضارف، حين تُستخدم هذه المحرقة لاحقاً للتخلص من المبيدات الزراعية عالية السمية، سيحمي “الرزق” من التلوث، ويحمي طعامنا جميعاً. هذا المشروع يوفر على جيب المواطن البسيط تكلفة فواتير العلاج الباهظة التي تكسر الظهر، في وقت أصبح فيه ثمن الدواء يعادل “غربة” بأكملها.

إن قدرة هذه المحرقة على استيعاب نفايات ولاية القضارف والولايات المجاورة، بفضل الكوادر المدربة والأنظمة الحديثة، تثبت أننا قادرون على بناء أنظمة حماية استباقية لا تكتفي برد الفعل. وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة، طالما دفعنا ثمنها غالياً من أعمارنا واستقرارنا طوال العقود الماضية.

بعد اخير:

خلاصة القول، نحن نتقن دائماً فن البكاء على الموتى، ونبرع في بناء العنابر المكتظة لاستقبال الضحايا، لكننا نادراً ما نفكر في إغلاق الباب الذي يدخل منه الموت. أن تبني محرقة للسموم، هو اعتراف متأخر، ولكنه ضروري، بأن شجاعة تفادي الكارثة، أهم وأعظم بكثير من بطولة مواجهتها بعد وقوعها.

أخيرًا، الوطن لا يتعافى فقط بكثرة الوصفات الطبية، بل بالوعي الذي يمنع المرض من كتابة الوصفة الأولى. وعندما نتوقف عن زراعة أسباب موتنا بأيدينا في ترابنا، ربما حينها فقط، نبدأ حقاً في الحياة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.